الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

سبتة ومليلية ومستقبل الاحتلال الإسباني

إسبانيا تواجه مشكلات ترابية مع المغرب والبرتغال وبريطانيا، وعليها أن تحل مشكلاتها مع المغرب والبرتغال، لتتفرغ لاسترجاع منطقة جبل طارق من بريطانيا، واحتلال هذه المناطق لن يكون له مستقبل.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/15، العدد: 10486، ص(9)]

تمثل مدينتا سبتة ومليلية نشازا في العلاقات المغربية-الإسبانية، فبالرغم من العلاقات الدبلوماسية الجيدة بين البلدين في مختلف المجالات واكتفاء المغرب بالتزام سياسة الهدوء في ما يتعلق بوضع المدينتين إلا أن الموضوع سرعان ما يثار بين الحين والآخر في الجانب الإسباني، سواء كورقة للضغط على المغرب في قضايا ترتبط بالصحراء أو بالصيد البحري أو بالهجرة غير الشرعية، أو كورقة سياسية داخلية بين الأحزاب الإسبانية للمزايدة على بعضها البعض. أما من الناحية التاريخية، فإن وضعية المدينتين تشكل نشازا أيضا في الإرث الاستعماري الأوروبي، فهما المدينتان الوحيدتان الموجودتان في أفريقيا اللتان لا تزالان تحت احتلال دولة أوروبية.

ولا تمر فترة من دون أن تتصدر وضعية المدينتين الأجندة السياسية في إسبانيا. فإذا كان الدستور الإسباني يمنح للمدينتين وضع المدينتين المستقلتين، خلافا للمناطق الأخرى، إلا أن ذلك الوضع لا يروق لبعض الأحزاب السياسية. وفي هذا الأسبوع أثار حزب بوديموس (قادرون)، الذي أنشئ عام 2014، الملف مجددا في مواجهة الحزب الشعبي اليميني الحاكم، بدعوته الحكومة إلى تغيير الوضع الدستوري للمدينتين، وتعديل دستور 1978 بحيث تصبح المدينتان ذاتي حكم ذاتي محلي، على غرار باقي الأقاليم الأخرى في البلاد. ولا يعرف ما هي النوايا والأهداف من وراء إحياء هذا الملف، ولكن الظاهر أن الحزب الصغير، الذي أنشئ قبل عامين وأثار زوبعة سياسية في البلاد، ثم دخل في سلسلة من الأزمات الداخلية، يبحث عن ورقة لابتزاز الحكومة واستثمار موضوع سبتة ومليلية ليكون بداية لمناقشة أشمل تهم صلاحيات مناطق الحكم الذاتي في البلاد، ومنها إقليم كاتالونيا.

تقوم إسبانيا على أساس التقسيم الجهوي الذي يعد حلقة وسطى ما بين الفيدرالية والتنظيم المركزي، وهو تقسيم تم التوصل إليه عبر اتفاقيات تدريجية بين الأقاليم التاريخية المشكّلة للبلاد خلال عهد الملكية المطلقة، وبين الحكومة المركزية في مدريد، منذ اعتماد دستور 1978، وكانت آخر تلك الاتفاقيات قد حصلت عام 1995 عندما تم الاعتراف للحكومات والبرلمانات المحلية في هذه الأقاليم ببعض الصلاحيات الجديدة. ويقر الدستور اليوم لهذه المناطق بعدة صلاحيات موسعة في مجالات عدة كالصحة والتعليم واللغة والثقافة والفلاحة والصناعة والنقل وغيرها، بينما يعترف لمدينتي سبتة ومليلية بوضع المدينتين المستقلتين، في باب خصص لـ”الإجراءات الانتقالية”، ما يعني أنهما في وضعية انتقالية ويمكن أن تخضعا لتعديلات جديدة، بيد أنهما، خلافا للمناطق الأخرى، تتبعان مباشرة للحكومة المركزية في مدريد، نظرا لوضعيتهما التاريخية والسياسية الخاصة، كونهما تقعان في المغرب خارج التراب الإسباني. فقد رفضت الحكومة الاشتراكية عام 1995 منح المدينتين صلاحية تشكيل حكومة وبرلمان مستقلين، على غرار الأقاليم الأخرى، وتم الاكتفاء بمجلس للحكومة، كما تم حذف صلاحيات التشريع وحق الطعن في القوانين الدستورية خلافا للأقاليم الأخرى.

وقد عزز دخول إسبانيا المجموعة الأوروبية في يناير من عام 1986 من موقفها في المدينتين، إذ أصبحتا منذ تلك الفترة بمثابة الحدود الجنوبية لأوروبا، وهو ما مكن مدريد من القيام بإجراءات أكثر تشددا لإدامة واقع الاحتلال، حيث أقامت عام 1998 حاجزا فولاذيا يفصلها عن التراب المغربي بدعوى محاربة ظاهرة الهجرة السرية، الأمر الذي أثار وقتها احتجاج الملك الراحل الحسن الثاني. ويروي رئيس الحكومة اليمينية الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أزنار في مذكراته أنه خاطب الملك آنذاك قائلا له “إذا أٍراد المغرب الدخول في حرب مع إسبانيا، من أجل ثغري سبتة ومليلية، فإنه سيخسر الحرب”، وهو أسلوب التهديد نفسه الذي استعمله أزنار ثلاث سنوات بعد ذلك ضد المغرب حين اندلعت أزمة جزيرة ليلى أو جزيرة المعدنوس، على السواحل المغربية، عام 2002، في عهد الملك الحالي، وكانت الأزمة على وشك الانفجار قبل أن تتدخل الإدارة الأميركية بين الطرفين.

وفي الوقت الذي يتخذ فيه السياسيون المناطق المتنازع عليها مع المغرب أداة للضغط على هذا الأخير ويرفضون التفاوض مع الرباط حول مصير المدينتين، تظهر بين الحين والآخر أصوات معتدلة لباحثين إسبان ينظرون إلى الأمور من زاوية طي صفحة الاستعمار ويطالبون بتسليم سبتة ومليلية إلى المغرب للتخلص من كلفة الاحتلال ولتحسين صورة إسبانيا في العالم العربي.

وفي عام 2003 نشر ماكسيمو كاخال، وهو دبلوماسي وباحث إسباني توفي عام 2014، كتابا تحت عنوان “سبتة ومليلية وأوليفينزا وجبل طارق: أين حدود إسبانيا؟”، أثار جدلا واسعا لمطالبته بتسليم المغرب سبتة ومليلية وفق جدول زمني يمتد على عشرين عاما، وكانت أطروحة الكاتب أن إسبانيا تواجه مشكلات ترابية مع كل من المغرب والبرتغال وبريطانيا، وأن عليها أن تحل مشكلاتها مع المغرب والبرتغال، لتتفرغ لاسترجاع منطقة جبل طارق من بريطانيا، مؤكدا على أن احتلال هذه المناطق لن يكون له مستقبل.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر