الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

أحلام المؤتمر الخامس

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/16، العدد: 10487، ص(15)]

ربما يختلف المثقفون السعوديون حيال بعض القضايا التي خرجوا بها في توصياتهم منذ المؤتمر الأول، مثل توصية إنشاء اتحاد للمثقفين والأدباء والكتاب السعوديين، إذ ظنّ بعضهم أنه سيكون مظلة تحميهم.

منذ انطلاق مؤتمر المثقفين السعوديين في عام 2004، وحتى انتهت دورته الخامسة في نهاية هذا العام، وهو بين مراوحات لم تتعدّ الواقع البحثي والتنظيري المتربص بأبحاث نقدية وأكاديمية يدور مجملها حول تأصيل الحداثة وحداثة التأصيل من قبل أكثرية أكاديمية من مثقفين سعوديين جاؤوا من أقاصي المملكة إلى الرياض مستمتعين برؤية بعضهم البعض بعد أن تقطعت بهم سبل الجغرافيا ليتركوا المشهد بعد افتراقهم كما هو عليه، دون تغيير.

من يمتلك ذاكرة جيدة نسبيا يعلم جيدا أن توصيات مئات المثقفين من السعوديين الذين شاركوا في الخمسة مؤتمرات، طيلة الاثنتي عشرة سنة الماضية، لم تر النور، وأن المؤتمر لا يمكن أن يفرض شيئا على وزارة الثقافة والإعلام، لا من بعيد ولا من قريب، وأن أقصى ما يمكن أن يقوله المؤتمرون للجهات المنظمة هو “هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد”، حيث يدرك المشاركون وغير المشاركين بأنه لا طائل من قرارات ومرئيات وتوصيات تخرج من مؤتمر لا يمتلك سلطة تنظيمية لها القدرة الشرعية على مطالبة السلطة التنفيذية بتطبيق ما اتفقوا عليه.

وللتاريخ، فقد ابتدأ المؤتمر الأول بقوة مشرعا التساؤلات والحوارات والنقاشات حيال قضايا مصيرية مرتبطة بالحالة السعودية الداخلية التي كانت تعاني من بواكير هجمة التشدد الإرهابي المتمثل في جماعة الأفغان العرب والقاعدة، حيث فتحت السقوف للمداخلات وللبحوث الجادة الموثّقة بالأرقام والإحصائيات لتشمل الحوار الداخلي بين التيارات السعودية اليمينية والوسطية واليسارية، ونقاط التلاقي والاختلاف بينها، بالإضافة إلى حزمة من الموضوعات الفكرية ذات الصلة بالحلم السياسي السعودي المشترك، المتمثّل في الشراكة السياسية، وفي التمثيل الشعبي، حيث كانت السقوف أعلى مما هي عليه الآن. لكن، وبعد مرور اثنتي عشرة سنة على المؤتمر، أين وصلت محاوره وأوراقه وقضاياه التي تبنتها الوزارة ودعت الأكاديميين والدارسين والمثقفين إلى الكتابة عنها من أجل المشاركة بها في مؤتمر الرياض هذا العام؟

مع الأسف الشديد، لقد انتهت بنا إلى محاور مدرسية جامعية أكاديمية إسمنتية محنّطة، مثل الأدب السعودي في الدراسات الأكاديمية والمناهج الدراسية، والأدب السعودي والهوية، والاستثمار الوطني، والأدب السعودي والأمن الفكري، وإبداع الشباب وقضاياه في الأدب السعودي، والأدب السعودي والطفل، والمؤسسات الثقافية السعودية: الواقع والمستقبل، وإلى آخر تلك الموضوعات التي تنفع بجدارة أن تكون أبحاثا أكاديمية محكّمة لطلاب الدراسات العليا، وليس لمثقفين قلقين مهمومين بواقعهم المعاصر، جاؤوا للعاصمة ليفتحوا جروحهم في وجه قضايا عربية ووطنية كبرى مرتبطة بتداعيات الربيع العربي في الداخل، وبداعش، واليمن، وسوريا، والعراق، والخليج، وإيران، وبواقع وموقف المثقف السعودي من كل ما يجري حوله من قضايا مصيرية لها علاقة بالحريات والإرهاب والحرب.

ربما يختلف المثقفون السعوديون حيال بعض القضايا التي خرجوا بها في توصياتهم منذ المؤتمر الأول، مثل توصية إنشاء اتحاد للمثقفين والأدباء والكتاب السعوديين، إذ ظنّ بعضهم أنه سيكون مظلة تحميهم من القضايا الكيدية التي يتعرضون لها بين الحين والآخر من جهات أكثرها احتسابية، بينما رأى البعض الآخر أن مثل هذه الاتحادات تخضع المثقف للمساءلة، لا سيما في بلدان عربية لا تتمتّع بالحرية الكافية للتعبير عن الرأي خارج المؤسسة الحاكمة. لكنهم رغم اختلافهم استطاعوا أن يقولوا كلمتهم ويعبّروا عنها ويخرجوا بتوصياتهم بضرورة النظر في نتائجها. ولكن، ماذا جرى بعد كل هذه السنين؟

غني عن القول إنه إذا استمر الأمر على ما هو عليه سيكون من اللا جدوى اجتماع المثقفين السعوديين في مؤتمر قادم، وساعتها سأقترح على وزير الثقافة والإعلام، الدكتور عادل الطريفي، أن يكتفي بتشكيل هيئة استشارية أكاديمية مصغّرة، يتابع من خلالها ما يرغب في سماعه دون إشغالنا بمؤتمر يحضره ألف مثقف لا يسمعهم أحد.

شاعر من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر