الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

سيد الدبلوماسية الروسية من الحكيم بريماكوف إلى الحازم لافروف

منهجية لافروف في الشرق الأوسط تنشطر إلى إدانة التدخل الأميركي في العراق الذي أدى للفوضى في زمن الرئيس جورج بوش الابن وحزبه الجمهوري.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/12/18، العدد: 10489، ص(8)]

مدرسة سياسية مختلفة قلما فهمها الغرب والشرق

عمان - في المكان ذاته بساحة سمولنسك في موسكو، جلس وزراء خارجية روس منذ عهد المؤسس ستالين وحتى عهد بوتين، من الحكيم إلى الحازم لافروف. والحكيم، أعني بها حكيم الدبلوماسية الروسية يفغيني بريماكوف الذي رحل في يونيو 2015 عن 86 عاماً وأقامت له موسكو منتدى “قراءات بريماكوف” بحضور الرئيس فلاديمير بوتين في اليوم الأخير من نوفمبر الفائت؛ وفي كلمة بوتين برقيات منقوطة بين فكرة وأخرى أو معلومة وأخرى تقترب من أسلوب الحركات العسكري بالإيجاز أثناء المعارك لتوصيل المواقف العاجلة دون تطويل أو إفاضة أو احتمال تأويل، وعادة ما تكون مرفقة بالأرقام أو حساب المسافات مع معرفة دقيقة بأسماء القرى أو طرق المواصلات بتسمياتها العسكرية، وكان ذلك مهنتي أو الواجب العسكري الذي أُكلف به أثناء حربنا في مواجهة العدوان الإيراني في ثمانينات القرن العشرين.

عند بوتين ربما كانت مناسبة استرخاء لعرض بضاعة سياسته من خلال شخصية بريماكوف المحتفى بتجربته الفكرية والسياسية والعملية؛ بالنسبة إلينا نحن العرب ربما مثّل بريماكوف بدراسته الاستشراقية واطّلاعه الواسع على العالم العربي والإسلامي نقطة انفتاح إنسانية سمحت له بالتقرب بعاطفة خاصة كفلتها روح الصداقة ليلعب في أزمات كثيرة دور الوسيط الموثوق به لحل المشاكل المعلقة بين الدول العربية مجتمعة ومع بلاده أو مع دول العالم أيضاً، كذلك بين بعض الدول العربية لتقريب وجهات النظر وطرح رؤية الاتحاد السوفييتي وفيما بعد الاتحاد الروسي بشأنها؛ وطبعاً حياته لا تخلو من النقد وهذا من طبيعة الأمور.

بريماكوف يؤسس لعمل وزير الخارجية الروسي بصور مختلفة. فقد كان صحفيا ورجل استخبارات سوفيتية ومؤلفا للعديد من الكتب التي تضمنت تجاربه في (حقول ألغام السياسة)

بريماكوف وقيمة البرافدا

ولا بد لنا من أن نتطرق إلى عمل بريماكوف في جريدة “البرافدا” الناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفييتي والتي تأسست في بواكير الثورة الروسية 1912 واستمرت إلى تداعي الاتحاد السوفييتي وإن عادت بعدها وبنفس الاسم لاستقرار أهميتها وانتشارها؛ فبريماكوف عمل فيها بواجبات مختلفة أدت به بعد إشرافه على قضايا قارتي آسيا وأفريقيا إلى تعيينه مراسلاً مقيماً في القاهرة لشؤون الشرق الأوسط منذ منتصف ستينات القرن الماضي إلى غاية العام 1970.

ولمن تفوته أهمية جريدة مثل “البرافدا” وتعني بالعربية “الحقيقة”، فأذكر له مثالاً من زيارة وفد عراقي كان يدعى ضمن وفود ودعوات توجه للأحزاب التقدمية في عالمنا العربي والعالم لحضور جلسات أحد مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفييتي، وفي جولة ما لأعضاء الوفود اطلعوا فيها على تجارب زراعية في قرى مترامية انتبهوا لوجود تمثال لفتى صغير ينتصب على قاعدة مكتوب في واجهتها مجموعة كلمات.

وعند سؤالهم للمترجم قال لهم “إن أهل القرية فلاحون بسطاء ولا توجد لديهم شخصيات معروفة يفتخرون بها، لكنهم صنعوا باعتزاز نصباً لشاب صغير توفّي مبكراً كانت جريدة ‘البرافدا’ نشرت له خاطرة صغيرة فيها كلمات سامية في حبّ القرية والعمل والوطن”.

والجريدة أهميتها خارج الاتحاد السوفييتي بمثابة منشور لكل الشيوعيين العرب أو في العالم ولتلك حكايات لا تنتهي من المماحكات في ذاكرة المنتمين لمختلف الأحزاب في مدننا العربية ومنها بغداد وأثرت في الخطاب السياسي بشكل عام.

استقرار بريماكوف في القاهرة وفّر له صلات كبيرة بين الصحافيين والسياسيين والدبلوماسيين المصريين والعرب وأجرى العديد من اللقاءات مع الملوك والرؤساء مهدت فيما بعد لعلاقات أكبر بعد توليه المناصب المهمة في بلاده.

أما في ما يخص العراق، فقد ساهم بريماكوف في زمن الرئيس عبدالسلام محمد عارف بتذليل الصعاب في واقع الأزمة الكردية لصلته الوثيقة وعلاقة الروس بزعيم الحركة الكردية الملا مصطفى البارزاني والد زعيم إقليم كردستان مسعود البارزاني.

السوفييت كانوا يدعمون الفصائل الكردية لفترات طويلة. وسمحوا لقياداتهم بالعيش في أراضيهم لغاية 1959 حين عادوا بعد الاتفاق بينهم وبين قاسم، فوصلوا بقطار خاص من بغداد إلى أربيل ومعهم العشرات أو المئات من السيدات من دول الاتحاد السوفييتي كزوجات، بعد مدة الاختلاط الطويل مع متساكنيها ومعظمهم من الدول المسلمة؛ كنت حينها طفلاً عربياً أحمل الورود مع أطفال آخرين قدمتها للملا مصطفى وللوافدين ومعظمهم من الناطقين باللغة الروسية من نساء وأطفال.

الاستخبارات ممر القادة

ساعد هذا في مهمة بريماكوف حتى بعد ثورة 1968 في المحادثات مع القيادة العراقية وكسب مودّتهم وحاز على ترحيبهم والتعاطي معه أثناء الأزمة مع الكويت وخلال سنوات الحصار حتى إلى ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق في نيسان 2003.

إضافة إلى عمله الصحافي المهم كان بريماكوف رجل استخبارات سوفييتية وباحثاً فيها، ومؤلفاً للعديد من الكتب التي تضمنت تجاربه في “حقول ألغام السياسة”. وكذلك الاقتصاد وممارسة نشاطه الابتكاري الإبداعي وتصميمه لنماذج فكرية خاصة وقيادته لأنماط عبقرية وفنية تقلص المسافة بين السياسة والعمل السياسي، ومنها أسلوب هجوم الأدمغة الذي يتواءم مع مفردة التنبؤ بقراءة متناهية للتفاصيل وما يمكن أن ينتج عنها من أحداث مؤثرة في بؤر معينة ومناطق صراع وانفلات متوقعة.

جون نيغروبونتي سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة كثيراً ما وصف لافروف بالقول "لم أعرف له أيّ مبادئ أخلاقية أثيرة على قلبه في يوم من الأيام. فبوصلته هي فقط أوامر الدولة".

أصبح وزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء عامي 1998- 1999 أثبت فيها قدرته على تجاوز العاصفة التي ضربت مرتكزات القاعدة الاقتصادية الروسية وذلك بإصدار الأحكام المتوازنة والتعاطي مع المعلومات وليس التكهنات أو الاجتهادات غير المحسوبة كما هو معمول به في بعض الإدارات باعتمادها على الإجراءات الكيفية تحت ذريعة المنصب الأعلى، أو لتمرير إدارة سياسية للحصول على مكاسب مؤقتة أحياناً تكون نكسة استراتيجية على مستقبل الأداء الاقتصادي للبلد، وتؤدي إلى انعدام ثقة المؤسسات المالية، ليس بقطاع المصارف فقط وإنما ينعكس ذلك على ترسيخ تقييمات الدولة الفاشلة وهذا ما يؤسس لمخاطر ديناميكية للمستقبل.

أداء لافروف المنضبط

لافروف أكد واقعية قراءات بريماكوف المسبقة بزمن، في ما يتعلق بالربيع العربي ونتائج أحادية القطب الدولي على الأمن في العالم. والمثير للاستغراب هي تلك البرقية الضمنية التي أشار فيها بوتين إلى واقعية الدور الروسي في السياسة الخارجية التي انتهجها بريماكوف في منهجه الدبلوماسي بمنع أيّ تدخل خارجي في شؤون الدول الأخرى.

يجلس سيرغي فيكتوروفيتش لافروف الذي ولد في العام 1950 في موسكو في الدور السابع من مبنى وزارة الخارجية الروسية، يتصرف بطريقته الخاصة، لكنّه متمسّك بنهج الدبلوماسية الروسية الخاص.

ويمكن فهم النظرة التي ترى بها الدولة الروسية عمل وزير خارجيتها من خلال برقية للوزارة وصفت أداء الوزير لافروف بالقول “التقى لافروف أكثر من خمسين مسؤولاً، وأكثر من أربعين منهم لم يبادر هو إلى طلب لقائهم”.

تمكن الوزير بطريقته من إنزال القضية الأوكرانية عن قائمة اهتمامات المجتمع الدولي بعد أن أصبح التدخل الروسي في سوريا حديث الجميع، أي كمن يستر خطيئة بخطيئة أكبر منها.

يقول لافروف إن موسكو لديها ملاحظات على سلوك الدول الأوروبية وأميركا. يعدد تلك الملاحظات في مؤتمر الأمن الذي يعقد سنوياً في ميونيخ. يقول إن “أخطاء الولايات المتحدة في كوسوفو والعراق وليبيا وتوسيع الناتو، والربيع العربي الذي أعدت له واشنطن العدة، أودت بالشرق الأوسط إلى هاوية الفوضى”. يضيف الدبلوماسي الذي يدخّن بشراهة إن “اليمين المتطرف في كييف يقصف أبناء جلدته، أما الغرب فيقوم بالتخطيط لتقسيم أوروبا. لكن نحن الروس حين قمنا بضم شبه جزيرة القرم طبقنا شرعة الأمم المتحدة، ألم تتوحد ألمانيا من دون استفتاء؟”.

يتحدث لافروف بغطرسة ذاتية وأخرى قادمة من إيمانه بدور بلاده ومكانتها. وحين واجهه ذات يوم وزير الخارجية البريطانية ديفيد ميليبند أيام الحرب الروسية على جورجيا في العام 2008، أجاب لافروف بغضب وعجرفة “من أنتَ حتى تعظني”.

لافروف وكيميائي الأسد

عمل لافروف عاملاً عادياً أيام الشيوعية، لكن بإرادته، فقد كان الشعب يتطوع لبناء الدولة الروسية الصلبة. يتباهى بأنه حفر أساسات برج التلفزيون في موسكو أو ما يعرف بـ”أوستانكينو”. لكن حتى ذلك العمل التطوعي لم يكن بلا فائدة بالنسبة إلى لافروف. فقد كوفئ عليه بقبوله في المعهد العالي للعلاقات الدولية.

من الصعب تصديق أن لافروف، الرجل العنيد، كان قد اضطر، إلى جانب إتقانه الروسية والإنكليزية والفرنسية، إلى تعلّم اللغة السيريلانكية في ذلك المعهد. وبناء عليه، تم تعيينه في سفارة موسكو في سيريلانكا. لكن الأوامر هي الأوامر. وهكذا أتت الأوامر حينها.

بداية ثمانينات القرن العشرين، كانت مرحلة لافروف الذهبية، حين أرسل إلى نيويورك ليصبح مندوباً دائماً لبلاده في الأمم المتحدة.

لافروف يرسخ مدرسة روسية تقول إن (أخطاء الولايات المتحدة في كوسوفو والعراق وليبيا وتوسيع الناتو، والربيع العربي الذي أعدت له واشنطن العدة، أودت بالشرق الأوسط إلى هاوية الفوضى)

يقول عن نفسه إنه تعلم من نيويورك “طريقة العيش الأميركية” واستمتع بالكثير من شرب الكحول وتدخين السجائر في السنوات السبع التي أمضاها في أميركا ممثلاً عن المطرقة والمنجل. لكنه عاد من جديد أواسط تسعينات القرن الماضي مع الدولة الروسية الجديدة، وفي عهد يلتسين ليشغل المنصب ذاته في البلاد التي أحبها؛ أميركا.

يعتبر لافروف أن السياسيين الأميركيين، فوضويون، ولا خبرات لديهم. وينطبق رأيه هذا على شريكه جون كيري أيضاً لا على سابقيه ممن عاصرهم لافروف.

نهج بريماكوف من جديد، ولكن بعد أن أعاد لافروف صياغته، ليصبح أكثر إبداعاً، وسواء اختلفنا معه أم اتفقنا، إلا أنه يخدم سياسة بلاده على أكمل صورة، قياساً بالعشوائية الأميركية التي لا تكاد تغادر المناصب الكبرى في واشنطن.

لا ينسى العالم أن لافروف ابتكر اتفاقاً من زلّة لسان جاءت في كلام جون كيري، بعد أن استخدم بشار الأسد السلاح الكيميائي ضد منطقة الغوطة، تسبب بوفاة قرابة الألفي مدني سوري. وتمت البرهنة على هذا دولياً وقانونياً، ما اضطر الرئيس الأميركي لاتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية إلى نظام الأسد. فكان على لافروف أن يتدخل لحماية حليف بلاده في دمشق.

في خريف العام 2013. التقى لافروف بكيري في لندن. وكان يحاول الحصول على أيّ شيء منه. لأن الموقف الأميركي كان جاداً حينها. فقال كيري متهكماً “لا يمكن للأسد أن ينجو من ضربتنا العسكرية إلا إذا قام بتسليم كل أسلحته الكيمائية فوراً”.

التقط لافروف هشاشة الموقف الأميركي هنا. وخرج على الفور ليبشّر وسائل الإعلام بأنه يوافق على مقترح كيري بتسليم الأسلحة الكيميائية السورية بديلاً عن توجيه الضربة العسكرية الأميركية لنظام الأسد. وهذا ما كان. وقيل حينها إن لافروف أنقذ أوباما ذاته. فلم يضطر للقيام بعمل عسكري يخالف سياساته.

كيف يفكر لافروف؟ نظريته تنشطر إلى إدانة التدخل الأميركي في العراق الذي أدى للفوضى في زمن الرئيس جورج بوش الابن وحزبه الجمهوري. وبعدها ليبيا في عهد الرئيس باراك أوباما وحزبه الديمقراطي، لكن في ثناياها تدخل روسي واحتلال عسكري واستعراض شامل للقوة في سوريا، وبوتين يؤكد أن كل تدخل خارجي يتنافى ويتناقض مع القانون الدولي.

مع هكذا طروحات كيف يمكن لنا قراءة الواقع الروسي في حلب وتعبئة المتناقضات وتشظيات المأساة في صناديق قليلة لا رابط بما تحتويه لكنها تسوية روسية مستعجلة كالبرقيات العسكرية، محدودة الكلمات، جاهزة، مختصرة، تعتمد النتائج دون التفاصيل، تتعاطى مع الحاصل على الأرض وتنتظر من يتعامل معه دون أسئلة كبيرة وكثيرة.

واقع جديد يحتكم إلى منطق أفرزه اختلال موازين القوى. يستهدف الضغط لقبول الأمر الواقع ورؤية المجازر ومكاشفة النفس للرافضين في معاودة التفكير بالمنطق الروسي؛ في وقت يطرح لافروف مدينة حلب كمنتج علاقة جديدة مع أميركا دونالد ترامب واضعاً له خريطة طريق مختلفة وإن كانت متباينة في أجزاء أخرى منها، لكنها توصية وتذكير بعقد التعاون بين حلف الناتو وروسيا الذي تم التوقيع عليه في مايو 1997.

يعترف لافروف بتردّي العلاقة مع أميركا وذلك واضح في مجريات الصراع بين الدولتين في ما يخص الانسحاب الروسي من الاتفاقات المتعددة ويصفها بالحالة الراهنة غير المريحة مع تعهده واستعداد بلاده لأداء التزاماتها بفرصة جديدة مع الإدارة الأميركية القادمة.

الرئيس بوتين ومعه وزير خارجيته لافروف في منتدى قراءات بريماكوف لم يقرآ منها ما فيه الكفاية، لكنهما في قرارة نفسيهما يسترشدان بمقولة بريماكوف “لا توجد صداقات مع الجميع″.

العالم لا يمكن تجاوز تعقيداته، لكن يجب تذليل الصعوبات بالعمل المشترك، ولا خيار بديلا ولا مجال للالتفاف على القرارات الدولية؛ ولا أظن أن في العاطفة شيئا مخجلا لقادة هذا العالم حتى لو كان فلاديمير بوتين، ألم يذرف دمعة في وداع جنازة صديقه بريماكوف، في الوقت الذي يقول فيه لافروف لعدد من وزراء خارجية دول العالم “قد تجدون ما أقوله مضحكاً. أنا نفسي رأيت أن بعض هذه الأمور التي أقولها مسلٍ، ولكني أمسك عن الضحك”. لكن جون نيغروبونتي سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة كثيراً ما وصف لافروف بالقول “لم أعرف له أيّ مبادئ أخلاقية أثيرة على قلبه في يوم من الأيام. فبوصلته هي فقط أوامر الدولة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر