السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

المغرب ومعضلة الهجرة

إذا كانت الكلفة الاقتصادية لتسوية أوضاع المهاجرين ثقيلة، فإن الكلفة السياسية تشكل أمرا إيجابيا وتذهب في الرصيد الدبلوماسي للمملكة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/19، العدد: 10490، ص(9)]

أطلق المغرب الدفعة الثانية لتسوية أوضاع المهاجرين الأفارقة غير القانونيين وطالبي اللجوء الموجودين فوق ترابه، في عملية واسعة ستشمل عشرات الآلاف ممن تجاوزت مدة إقامتهم في أرض المغرب خمس سنوات ويتوفرون على الشروط المطلوبة للحصول على تصاريح الإقامة والعمل. وكانت المرحلة الأولى لتسوية أوضاع هؤلاء عام 2014 قد شملت قرابة 25 ألف مهاجر أفريقي، ومن المرجح أن تهم المرحلة الثانية عددا قريبا من ذلك أو أكبر منه.

تأتي هذه السياسة الجديدة في مجال الهجرة، التي نهجها المغرب قبل ثلاث سنوات، في سياق التوجه الأفريقي الذي اختاره العاهل المغربي، الملك محمد السادس، من أجل الانفتاح على القارة والتعاطي مع مشكلاتها، التي توجد في صدارتها مشكلة الهجرة واللجوء بسبب الأزمات الداخلية التي يعيشها عدد من البلدان الأفريقية، على خلفية الحروب والصراعات الإثنية وشح الموارد وغياب الفرص. ذلك أن المغرب تحول منذ بضع سنوات إلى عراب للاندماج الأفريقي والشراكة الفاعلة في ميدان التنمية الاقتصادية، ولم يفتأ يدعو إلى حوار جنوب ـ جنوب من أجل إخراج القارة السمراء من مشكلاتها، واعتبار أن ذلك الحوار قطب رئيسي في القضاء على التخلف الذي يعد المدخل الطبيعي للحد من ظاهرة العنف والإرهاب. وقبل أربع سنوات دعا الملك محمد السادس إلى ما يشبه خطة مارشال من أجل أفريقيا، وإلى إقامة شراكة أوروبية – أفريقية تتيح إنشاء مخططات تنموية محلية للأفارقة، بما يحد من ظاهرة الهجرة بين ضفتي المتوسط، على أساس أن ينهض الاتحاد الأوروبي بقسط من الأتعاب في هذا المجال.

لذا لم يكن من الممكن أن يحمل المغرب خطابا سياسيا هذا طبيعته ثم يتردد في نهج سياسة جديدة للهجرة، بالرغم من التكلفة الباهظة المترتبة على ذلك. وفي ضوء التقرير الشامل الذي وضعه المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان والمنظمة الدولية للهجرة عام 2013، شرع المغرب في المزاوجة بين سياستين تجاه موضوع هجرة الأفارقة: مراقبة الحدود للحيلولة دون تدفق المهاجرين، وتسوية أوضاع أولئك الذين يحطون رحالهم داخل البلاد.

بيد أنه إذا كانت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتسوية أوضاع المهاجرين ثقيلة، في بلد يعاني من ركود اقتصادي وبطالة مرتفعة، فإن الكلفة السياسية تشكل أمرا إيجابيا وتذهب في الرصيد الدبلوماسي للمملكة. فمنذ عدة سنوات يسعى المغرب إلى تحسين صورته في القارة الأفريقية وتقديم نفسه كبلد قادر على تقديم خدمة إنسانية لصالح بلدانها، ويتطلع إلى العودة إلى منظمة الاتحاد الأفريقي التي انسحب منها عام 1984، ويبحث عن خلق رأي عام أفريقي مرحب كما يريد أن تكون عودته عاملا مساعدا على تطوير أداء الاتحاد عبر القيام بوظائفه في المجالات الاقتصادية والتجارية. وقد شكلت الزيارات التي قام بها العاهل المغربي إلى عدد من هذه البلدان مناسبة لإقامة مشاريع تنموية ومرافق اقتصادية، مما لقي ترحيبا من الزعماء الأفارقة، وكانت السياسة المغربية الجديدة في موضوع الهجرة إحدى القضايا الكبرى التي نالت اهتماما خاصا من لدن الدول الأفريقية التي زارها في الفترة الأخيرة.

وبالرغم من هذه المبادرة القوية، التي جعلت منه بلدا متفردا في القارة في ما يتعلق بقضية الهجرة، إلا أنه يدرك بأن إشكالية الهجرة في أفريقيا تتجاوز إمكانياته. فالمهاجرون الأفارقة القادمون من بلدان الساحل على الخصوص يتقاطرون بشكل يومي تقريبا على الحدود المغربية، في مسعى للانتقال إلى أوروبا عبر إسبانيا، وفي ضوء التشدد الأمني الإسباني في مراقبة حدودها مع المغرب والتنسيق بين الرباط ومدريد في محاربة تدفق المهاجرين يتحول المغرب إلى أرض إقامة بدل أن كان في السابق أرض عبور، وهو ما يطرح مشكلات أكبر أمامه بفعل الحاجة إلى تسوية أوضاع هؤلاء ورعاية شؤونهم.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر