الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

زاهي حواس المؤلف يفضحه كتابه

  • أن يكون للإنسان “كتاب” فهذا حدث. وليس كل كتاب كتابا، ومن المؤلفين من خلّده كتاب واحد، والبعض سقط من الذاكرة في حياته رغم اتكائه على خمسين كتابا. ومن لا يشعر بالرهبة قبل الشروع في الكتابة، وعدم الاطمئنان طوال العمل في “بناء” الكتاب، والقلق بعد الانتهاء منه، فكتابه ابن غير شرعي، ولكن المأساة أن يصر البعض على إضافة أبناء من هذا النوع.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/24، العدد: 10495، ص(15)]

وجه آخر لا نعرفه لكاتب يسطو على تعب الآخرين (لوحة للفنان حسكو حسكو)

تنفرد مصر، فيما تنفرد، بإنجاب أحفاد للنابغة الذبياني، لا تتفجر مواهبهم إلا بعد الخمسين، أثناء الانشغال بمناصب إدارية مرموقة، تبتلع من الكائن الطبيعي كل وقته، وتصرفه عن تأليف الكتب إذا كان في الأصل مؤلفا، أما الذي لم يُعرف عنه قراءة كتاب، فيصير مؤلفا غزيرا مادام محتفظا بمنصبه متمتعا بعطاياه، حتى وُصف مصري هارب كان رئيسا لتحرير ومجلس إدارة “الأهرام” بأن كتّابه أكثر من قرائه.

وتوالى صدور كتب مؤلفة ومترجمة تحمل اسمه، إلى أن اختلف معه أحدهم في المحكمة، وقال إنه ترجم له كتابا، وإن آخرين ألفوا له كتبا في أكثر من مجال، وكان المقابل سخيا من أموال مؤسسة غادرها منذ خمسة عشر عاما، ولم يكتب في سنوات فراغه مقالا، ولا صدر له كتاب، ولا يتذكر أحد عنوانا لأي من أعماله التي كان غلافها يضم صورته وعنوان الكتاب. ولإنعاش الذاكرة فهذه عناوين بعض الأعمال: “الصين معجزة نهاية القرن العشرين”، و”العولمة والأمركة”، و”جنون الخطر الأخضر وحملة تشويه الإسلام”، و”كابوس الإرهاب وسقوط الأقنعة”، و”الفتنة الكبرى.. عاصفة الخليج”، و”كابوس الإدمان”، و”في بيتنا مدمن.. كيف نمنع الكارثة؟”. فما علاقة زاهي حواس بمقدمتين لمقال يحمل اسمه؟

سقوط من الذاكرة

ربما أحتاج إلى مقدمة ثالثة، فحين يلتمس طالب أو قارئ أو باحث مراجع “علمية” مصرية في علوم المصريات، أو التاريخ المصري القديم -الذي يعرف خطأ واستسهالا بالتاريخ الفرعوني- يذهب إلى أعمال باحثين وأثريين ثقات منهم: سليم حسن، عبدالعزيز صالح، أحمد قدري، أحمد فخري، علي رضوان، عبدالحليم نورالدين، جاب الله علي جاب الله، وعبدالمنعم عبدالحليم. ربما لا يرد اسم زاهي حواس رغم إصداره بالعربية وبغيرها أكثر من 40 كتابا متجاوزا عدد مؤلفات علماء الآثار المصريين، بمعدل ثلاثة كتب في السنة، وهو ما لا يتاح لجهد باحث متفرغ. ولنا أن نسأل: متى تمكن حواس من “تأليف” هذه الكتب، حتى لو كانت منزوعة الصفة العلمية، ذات طابع سياحي؟

تقول السيرة الذاتية في “كتب” حواس إنه حصل، في سن الأربعين، على الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا عام 1987، بمنحة من هيئة فولبرايت. لم يكن له حتى ذلك الوقت كتاب واحد، ثم عاد إلى مصر، وتولى إدارة منطقة آثار الجيزة وفيها أقدم أهرام العالم (هرم سقارة) والأهرام الثلاثة الشهيرة وغيرها، وفي عام 1990 جاء كشفه المهم عن مقابر بناة الأهرام، من العمال والحرفيين والفنانين، لنسف أسطورة قيام مخلوقات فضائية ببنائها، وتبديد الوهم بأنها بنيت بالسخرة، إذ شيدت خلال 3 أجيال في نحو 80 عاما، وكانت وجبة العامل تتكون من خبز (14 نوعا) وثوم وتين وجعة، إضافة إلى ما تيسر من عصير الفواكه واللبن، وسمك يصطادونه بعد انتهاء العمل.

تولى حواس

حواس يستهدف أفرادا من جمهور يدغدغ مشاعره في محاضرات ذات طابع جماهيري شعبوي لا علمي

أمانة المجلس الأعلى للآثار عام 2002 حتى ثورة 25 يناير 2011، وبعدها أصبح أول وزير دولة لشؤون الآثار. الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار منصب كبير، لا يتيح لشاغله رفاهية كتابة مقالات أو تأليف كتب، فهو المسؤول عن آثار مصر وتراثها المعماري والمتاحف والمناطق الأثرية، ومتابعة أعمال العشرات من البعثات الأثرية الأجنبية التابعة لجامعات ومراكز بحثية متخصصة في علوم المصريات في مجال الحفائر الأثرية والترميم، وتسجيل الاكتشافات الجديدة وترميمها تمهيدا لعرضها بالمتاحف أو إيداعها المخازن الأثرية، وتنظيم مؤتمرات علمية، وإقامة معارض أثرية في الخارج من اليابان إلى الولايات المتحدة، وتتبع ما تعرضه المتاحف الأجنبية وما تعلن عنه قاعات المزادات من قطع أثرية مسروقة من متاحف ومخازن، وتلك الناتجة عن الحفر خلسة في مواقع أثرية عن طريق مواطنين باحثين عن الثراء، ومخاطبة الجهات الأجنبية لإثبات حقوق مصر في آثارها المنهوبة، مع الاستعانة أحيانا بوزارة الخارجية، ولا يخلو الأمر من رفع قضايا أمام محاكم تلك الدول لاستعادة الآثار. فمتى أتيح لحواس خلوّ البال لتأليف “كتبه” الكثيرة؟

حظيت كتب حواس بطبعات فاخرة، ترضي غرور “المؤلف”، وتغري السائح باقتنائها، إذ تحتشد بصور ذات جودة عالية تدفع القارئ إلى السياحة بين الصور وحكايات هي صلب الكتب ومنها “بناة الأهرام” و”الملك الذهبي: عالم توت عنخ آمون” و”عائلة الملك خوفو: تاريخ وأسرار الأسرة الرابعة” والحق أن الرجل لم يبخل على الصحافيين بإهداءات الكتب، وخصوصا رؤساء التحرير، كما لم يبخل بالشكر في مقدمات الكتب على مساعديه العاملين تحت رئاسته في المجلس الأعلى للآثار، لما قاموا به “من عمل شاق في مراجعة فصول الكتاب”، أو “لدورهم الكبير في متابعة تصميم الكتاب ومراحل إخراجه”.

يرد اسما طارق العوضي ومحمد مجاهد في بضعة كتب، وفي مقدمة كتابه “40 سنة حفائر” (2015) يقول إن “طارق العوضي أهم مساعديّ الأثريين وذراعي اليمنى منذ عام 1994 عندما بدأ عمله في منطقة آثار الجيزة… كما ساعدني في إعداد كتبي ومحاضراتي. فهو يعرف تماما ما أريد بمجرد أن أنظر إليه. وعندما كنت أقوم بكتابة مؤلفي Valley of the Golden Mummies أرسلته إلى الناشر بنيويورك كي يتولى الإشراف على صور الكتاب وتعليقات الصور والملاحق”، ثم عينه مديرا لإدارة الأبحاث العلمية بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار، ومديرا عاما للمتحف المصري عام 2010، “ليصبح أصغر من تولى هذا المنصب سنا”. ولنا أن نسأل: على نفقة من أرسل حواس مساعده إلى نيويورك في مهمة شخصية للإشراف على طباعة كتاب؟

كاتب يشتري مؤلفين بالمال والقارئ بعيد عن دائرة اهتماماته

تغييب القارئ

في مسألة “تأليف” الكتب، أستدعي مقولة النفري “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، وأنظر إلى أحفاد النابغة، وغيرهم ممن تتوالى إصداراتهم حاملة صفة “كتب”، لأن لكل منها عنوانا وناشرا وغلافا كلما كان قشيبا حملك على الشك في محتواه وجمهوره المستهدف، وهو جمهور لا يتوقف عند تفاصيل صغيرة يعنى بها قارئ “الكتاب” الحريص على دقة المحتوى وعمقه. ولا أظن حواس معنيا بمثل هذا القارئ، وربما يستهدف أفرادا من جمهور يدغدغ مشاعره، في محاضرات ذات طابع جماهيري شعبوي لا علمي. أكد لي صديق اصطحبه حواس إلى دول منها أميركا أن الجمهور يحجز مبكرا تذاكر لحضور محاضرة حواس الذي يجيد السيطرة على قاعة حاشدة بأداء على طريقة “الوان مان شو”.

أتذكر مقولة النفري حين أرى الخفة في التصدي لتأليف “كتاب”، كما في كتاب “40 سنة حفائر” الصادر عام 2015، ولكن “المؤلف” الذي استعرض جانبا من حفائر بدأها عام 1992 بمجموعة الملك “تتي”، يعد بأنه “خلال المواسم التالية، سنقوم بعملية كشف وتنظيم وإزالة…”، فهل كان هذا الفصل تقريرا قديما كتبه موظف، ثم استقر في “الكتاب” ولم يراجعه “المؤلف”، تجنبا لضيق صدر قارئ يختلف عن جمهور “السمّيعة” من دافعي التذاكر؟

لا يعفي “المؤلف” قوله في نهاية “الكتاب” إنه انتهى منه عام 2002، لأن فيه إشارات إلى ما بعد ذلك ببضع سنوات، وتحت عنوان “مستقبل الجيزة” يتناول خطط تطوير منطقة الأهرام، “وسيخضع أصحاب الجمال والخيول لنظام مناوبة… ستستمر عملية تنظيف وترميم مقابر النبلاء المحيطة بالأهرام… وسوف نستكمل أعمال الحفائر بمقابر بناة الأهرام… وأعتقد أن عام 2010 سوف يكون عام الأهرامات”؟ ولعل السهو يخص كاتبا لا يفرق بين “كتاب” يجب أن يتمتع بالكثير من المسؤولية وتقرير يوزع على وسائل الإعلام، ولكن “المؤلف” لا تعنيه هذه التفاصيل فيضيف “كما أخطط أيضا لإعادة اكتشاف مقابر الصفوة من الأسرة الأولى… وسوف نستكمل الفائر في الجبانة الأولى”، وكذلك يقول “وقد قمنا هذا العام (2010) بإزالة بعض المباني الحديثة بعد أن تم تعويض أصحاب المنازل”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر