الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

القضاء والسياسة.. الاستقلال والتماهي

تفاعلات الثورة كشفت عن انخراط قضاة في السياسة، وتماهي البعض منهم مع السلطة، في عهدي محمد مرسي وعبدالفتاح السيسي، دعما أو اشتياقا، لدرجة قيام قاض بإدارة ندوة 'علمية' لوزارة الثقافة، تتبنى تبعية جزيرتين مصريتين لدولة أخرى.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/27، العدد: 10496، ص(9)]

كما نزعت ثورة 25 يناير 2011 القداسة عن شخص الرئيس، وأنسنت المؤسستين الدينية والعسكرية، أنزلت مؤسسة القضاء إلى الساحة، إلى أرض النقاشات الرحيبة بعد عمر طويل من الانفراد بالمنصة، والتسلح بمقولات ترفع القاضي إلى موقع نائب الله في تحقيق العدالة، وتعصم القضاة من الخطأ، وتعلن أن “الحكم عنوان الحقيقة”. ثم كشفت تفاعلات الثورة عن انخراط قضاة في السياسة، وتماهي البعض منهم مع السلطة، في عهدي محمد مرسي وعبدالفتاح السيسي، دعما أو اشتياقا، لدرجة قيام قاض بإدارة ندوة “علمية” لوزارة الثقافة، تتبنى تبعية جزيرتين مصريتين لدولة أخرى، في انحياز سافر إلى توجّه السلطة التنفيذية وإحراج لقضاة لم يصدروا حكما نهائيا في قضية الجزيرتين.

لم تعد مقولة “الحكم عنوان الحقيقة” تحظى بالهالة التقليدية؛ ففي أحكام القضاة وغيرهم لا توجد حقيقة مطلقة، وإنما حكم تقديري بشري تستريح إليه هيئة المحكمة، ويحق للنيابة ولأي من أطراف القضية أن يطعن على الحكم، لكي تبدأ درجات أخرى من التقاضي أمام هيئة أخرى، قضائية أيضا، ربما تقضي بحكم ينسخ الحكم الأول الذي وصف وقت صدوره بأنه “عنوان الحقيقة”.

ففي 2 يونيو 2012 قضى القاضي أحمد رفعت على المتهم “محمد حسني السيد مبارك بالسجن المؤبد عما أسند إليه من الاتهام بالاشتراك في جرائم القتل… وبمعاقبة حبيب العادلي (وزير الداخلية) بالسجن المؤبد عما أسند إليه من الاتهام بالاشتراك في جرائم القتل والشروع بالقتل في جرائم أخرى”؛ لامتناعهما “عمدا عن إيقاف قتل المتظاهرين حماية لمنصبيهما… ذلك الإحجام والامتناع قد أوقعا في يقين المحكمة أن المتهمين المذكورين قد اشتركا مع مجهولين بطريقة المساعدة في ارتكاب جرائم القتل العمد والشروع فيه قاصدين من ذلك إزهاق روح وإصابة المجني عليهم”. وفي 29 نوفمبر 2014 قضى القاضي محمود الرشيدي لمبارك والعادلي بالبراءة في القضية نفسها، بعد جلسات لم تخل من اتهام العادلي لبعض الداعين إلى التظاهر بالعمالة لدول أجنبية، ووصفه للشعب بالغفلة لانخراطه في مظاهرات “مموّلة”، ولم ينبهه القاضي إلى أن القضية جنائية لا سياسية، وفقا لقرار الإحالة من النيابة.

ألا يعني الحكم الثاني، إذا كان “عنوان الحقيقة”، طعنا ومساسا بالحكم الأول؟

في قضية قتل المتظاهرين جاءت البراءة بعد الإدانة، وفي إحدى قضايا الرأي كان الحكم معكوسا، بدأ ببراءة المتهم وانتهى بسجنه. ففي يناير 2016 قضى قاض ببراءة الكاتب أحمد ناجي من تهمة خدش الحياء، في فصل من رواية نشرته صحيفة رسمية. وكانت النيابة قد اتهمت المؤلف بتعاطي المخدرات باعتباره بطل الرواية، “حتى عمّت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم”، فطعنت النيابة في حكم البراءة، ليصدر قاض آخر، في فبراير 2016، حكما استئنافيا بحبس الكاتب عامين، بتهمة خدش الحياء. فأيّ القاضيين كان حكمه “عنوان الحقيقة”؟

بعد فتنة الإعلان الدستوري لمحمد مرسي في نوفمبر 2012 نشرت صور للقاضي وليد شرابي المتحدث الرسمي لحركة قضاة من أجل مصر، الذي أعلن فوز مرسي، خارجا من مكتب الإرشاد، مقرّ تنظيم الإخوان. لم يكن بالإمكان أن يُوجَّه إليه اتهام في ظل حكم الإخوان، وفي يناير 2014 عزل مع آخرين، لمخالفتهم قانون السلطة القضائية واشتغالهم بالسياسة، وهي تهمة لا تلاحق أيّ قاض يصبّ سلوكه السياسي المعلن في المجرى الرسمي، كما في حالة رئيس نادي القضاة السابق أحمد الزند الذي لم يتهم بالاشتغال بالسياسة حين انتقد حكم مرسي، بل تولّى وزارة العدل في مايو 2015. ولكن سلفه في رئاسة نادي القضاة زكريا عبدالعزيز أحيل في الشهر نفسه إلى مجلس الصلاحية والتأديب، بحجة اشتغاله بالسياسة في فترة الثورة؛ إذ “أتى في ميدان التحرير أفعالا لا تجوز من قاض”، وكأن ما يستحبّ في 30 يونيو 2013 يحرم في 25 يناير 2011، وقد سجلت في كتابي “لثورة الآن” حضور عبدالعزيز مساء 8 فبراير، حين تمدّد ميدان التحرير إلى مقرّ البرلمان، وكان لوجوده معنى رمزيّ مهمّ، وتحدث عن مرحلة ما بعد الثورة، متناولا إجراءات تفصيلية كإلغاء مجلس الشورى، وعدم جدواه لدولة مثل مصر، واقترح دستورا مؤقتا من 15 مادة، لمدة سنة، تجرى خلالها “انتخابات مجلس شعب محترم”.

ما جرى يوم 10 أغسطس 2016، يدخل في باب العبث، فبعد حكم مجلس الدولة في يونيو 2016 برفض تأييد اتفاقية تيران وصنافير، عقد المجلس الأعلى للثقافة الذي يرأسه وزير الثقافة حلمي النمنم ندوة عنوانها “تيران وصنافير في القانون الدولي”، وقال الوزير في افتتاحها إن “كل الخرائط الجغرافية لدى الجمعية الجغرافية المصرية تقطع بتبعية تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية… تمّ الاتفاق على إعداد كتيّب موثق بالخرائط والمستندات المتعلقة بالقضية تصدره الجمعية الجغرافية المصرية بدعم المجلس الأعلى للثقافة كطبعة شعبية توضح المعالم الجغرافية للقضية واليوم نتطرّق لإطارها في رأي القانون الدولي”.

القانون الدولي مجال اجتهاد لأستاذة وخبراء القانون الدولي، بعيد تماما عن دائرة فتاوى القضاة في الندوات العامة. ولكن المستشار القانوني لوزير الثقافة، وهو رئيس محكمة، حضر بصحبة الوزير ضمن قافلة من “باحثين” مصريين يستهويهم نفي مصرية الجزيرتين. فكيف يشارك قاض في مسألة خلافية حسمها حكم قضائي واجب النفاذ بصرف النظر عن الطعن عليه؟ أليس حضوره إبداء لرأي في حكم قضائي يفترض أنه “عنوان الحقيقة”؟ ألا تعدّ إدارته للندوة عملا سياسيا تصادف أنه يدعم السلطة؟ وماذا لو شارك قاض آخر في ندوة مضادة، واتهم السلطة بالتفريط والخيانة، ومقايضة المعونات بجزء من وطن أقسم الرئيس والوزراء وأعضاء البرلمان على استقلاله “ووحدة وسلامة أراضيه”؟

قريبا سيغادر الوزير منصبه، ولن تُنسى الندوة التي أدارها قاض، ولن ننسى تأييد هيئة مفوضي الدولة لحكم القضاء الإداري بمصرية الجزيرتين، وبطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، “لمخالفتها وتعدّيها على الدستور المصري”. وسيصدر حكم نهائي في 16 يناير 2017، ليسدل الستار على أغرب قضية يفصل فيها قاض مصري في مصرية جزيرتين مصريتين بين فريقين مصريين، أحدهما يدّعي عدم مصرية الجزيرتين بقوة السلطة والآخر يؤكد مصريتهما بقوة الحقائق التاريخية.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر