السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

ديك رومي لعشاء الميلاد

ربما لم يخطر ببال الكثيرين أنه لا علاقة للديك الرومي بميلاد سيدنا المسيح عليه السلام.. وأن الصدفة وحدها هي التي جعلت الأميركان يحتفلون بعيد الشكر ويذبحون من أجله الديَكة.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/12/28، العدد: 10497، ص(21)]

في أوائل القرن السابع عشر وصلت أعداد كبيرة من المهاجرين الإنكليز إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية هربا من اضطهاد الكنيسة لهم في بلادهم.. وإذ واجهوا الكثير من الصعوبات والمهالك في التأقلم في القارة الجديدة نجح بعض الهنود الحمر من سكان القارة الأصليين في إنقاذهم وتعليمهم أصول الصيد والزراعة وسبل كسب العيش.. وبعد أن استوطن المهاجرون واستقروا في عالمهم الجديد قرروا الاحتفال بالنعمة التي منّ بها الله عليهم.. ووجهوا الدعوة للهنود الحمر وقبائلهم.. فكانت مأدبة مهيبة دامت حتى الصباح.. تناول فيها الحاضرون الديك الرومي وتبادل المستوطنون والسكان الأصليون الأنخاب.. وقرروا منذ ذلك اليوم إقـامة عيـد سنوي يخلدون به تلك المناسبة السعيدة وأطلقوا عليه عيد الشكر..

ولكل شعب أعياده ومناسباته التي لابد وأن ترافقها طقوس وتقاليد بعينها تميز المناسبة أو تختص بها.. وينسحب التقليد بلا شك ليشمل نوع وطبيعة الملبس والمأكل والمشرب.. وقد يتبارى الباحثون في المتابعة واقتفاء الأثر من أجل معرفة أصل كل تقليد.. بيد أن الكثير من التفاصيل قد تضيع ولا أحد يعرف من أين جاءت وكيف وصلت وما الذي جعلها تقليدا.

وهاهي أرضنا تفقد في كل عام أعدادا مهولة من الديكة الرومية بلا سبب سوى أن تتزين بها موائد أعياد الميلاد ويتلذذ بها الآكلون في عموم الدول الأوروبية وبعض بلدان الشرق التي أخذت تمارس الطقس نفسه.. وربما لم يخطر ببال الكثيرين أنه لا علاقة للديك الرومي بميلاد سيدنا المسيح عليه السلام.. وأن الصدفة وحدها هي التي جعلت الأميركان يحتفلون بعيد الشكر ويذبحون من أجله الديكة.. وهو في النهاية عيد محلي علماني لا علاقة له بالدين.. ويتم الاحتفال به في البيوت والمطاعم وليس في الكنائس.. وقد لا يعرف البعض أن الأميركان أصلا لا يتناولون الديك الرومي في أعياد الميلاد.

أما أوروبا فلم تكن قد عرفت الديك الرومي إلا بعد القرن الخامس والسادس عشر إبان الفتوحات العثمانية.. وهو ما يفسر تسميته بالديك التركي.. وتم اختصار الاسم في ما بعد إلى “تركي”.. وثمة من يقول إنه وصل أوروبا عبر تجار أتراك من القارة الأميركية في الحقبة ذاتها.. ومن يذهب إلى القول إن الأوروبيين صاروا يذبحونه في الأعياد تعبيرا عن انتصارهم على الدولة العثمانية.. على الرغم من أن تركيا لم تكن تعرف هذا الطائر.. وكان العثمانيون أنفسهم يعتقدون أنه يأتي من الهند.. وهم مازالوا حتى اليوم يطلقون عليه اسم الديك الهندي.. وهي تسمية شائعة في اللغة الفرنسية أيضا.

ذات يوم قبل عامين.. تصادف أن أحضر شخصيا طقوس إحياء مراسيم عاشوراء التي يقيمها المسلمون الشيعة في أحد من أهم شوارع لندن.. وهي مناسبة سنوية اهتمت الشرطة البريطانية بالمساهمة في تنظيمها وقطع الشوارع من أجلها.. وقد لاحظت اختلاف تعبير الشعوب عن المناسبة وتنوع الطعام الذي تقدمه.. وكان أغربها بالنسبة إلي أن أتذوق “سمبوسك بالخضروات” قدمته مجموعة من الباكستانيين الشيعة!

ومفاد القول أن التقليد الديني أو الشعبي وطبيعة الطعام المقدم فيه قد لا تكون له أي علاقة تأريخية بالمناسبة.. لكنه يصبح عرفا تعتز به الشعوب وتصر على التمسك به وكأنه جزء أصيل من تاريخها.

ميلاد مجيد وأعياد سعيدة..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر