الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

بصمات واضحة

أنظر إلى دقائق الوقت وكأنها أوراق بيض فارغة.. أستطيع أن أملأها بما أشاء.. فقد يكون أدبا وإبداعا وألوانا ورسوما مبهرة.. وقد يكون خربشات أو لطخات سودا.. وقد لا يكون سوى بياض.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(21)]

يمضي بنا الوقت.. وتبدو الأيام بروتينها وكأنها تستنسخ بعضها وتبدو السيناريوهات وكأنها مقروءة سلفا.. ويصبح العمر مثل فيلم سينمائي أعدنا مشاهدته العشرات من المرات.. حتى يسقط كل شيء في مطب التكرار والملل.. وتخفت الدهشة فتفقد الأشياء رونقها وألوانها.. وحينئذ لا يمكن لأحد أن يعتب على الذاكرة التي تتلاشى حيويتها.. فلا يعود لها من مبرر لتحتفظ بالأرقام والتواريخ والوجوه والأسماء والأحداث طالما أن الحياة لم تعد تأتي بأي جديد..

هذا هو ظاهر الأمر لمن لا يريد أن يرمي أي حجر في الماء الساكن.. أو لمن يريحه الاتكاء على فكرة ما هو موجود.. فيتخذ من مكانه وأشيائه وروتين يومه ملاذا لأمان روحه.. وثمة عنوان لكل ذلك لا يمكن أن يخطئه المتفرج الواعي هو الاستسلام.. ذلك الذي يقف بالضد من أي معنى لكلمة حياة.. فهو موت بطيء يضع السائر في دربه على أولى درجات النهاية..

قال لي أحد الأصدقاء ذات مرة “حين كنت صغيرا كانت الأحداث والأيام مختلفة ملأى بالاكتشاف.. وكانت تسير ببطء وعلى مهلها.. كنت أستعجل الأيام لأكبر وأستعجلها لأحقق أحلامي وأتطلع بفرح وأنا أتأمل المستقبل.. أما اليوم فأنا لا أملك إلا النظر وإعادة النظر في الماضي.. صرت أحس أن السنوات تجري والعمر يعدو سراعا دون أن أعي.. أمس احتفلت بتخرجي واليوم أحضر تخرج ابني.. فهل يعقل أن يمضي من عمري عقدان دون أن أنتبه؟.. كانت ذاكرتي هي الأقوى بين أهلي وأصدقائي.. كنت أحفظ أرقام الباصات وأرقام الهواتف والعناوين والتواريخ.. وها أنني اليوم لم أعد أحفظ إلا رقم هاتفي الشخصي وعنوان بيتنا.. وصرت أتذكر بصعوبة أسماء الناس وعناوين الكتب التي أقرؤها والأفلام التي أشاهدها..”.

فتساءلت “وهل يحفظ شباب اليوم أرقام الهواتف الخاصة بأصدقائهم وذويهم؟.. وهل يحفظون أسماء كل الناس وكل عناوين الكتب والأفلام؟.. ألا يمكن أن يكون السبب هو ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي صارت ربما تضخ من المعرفة ما لا طاقة للإنسان على الاحتفاظ به؟”.. وأجابني فتى لم يبلغ العشرين قائلا “لا حاجة لنا أن نحفظ الأشياء عن ظهر قلب مثل زمنكم.. فنحن نملك ما يحفظ عنا كل شيء.. وأي معلومة نريدها صارت سهلة متاحة للجميع.. وليس للعمر دخل في ذلك.. ثم ما حاجتي إلى حفظ الآلاف من الأسماء في قائمة أصدقائي على فيسبوك وتويتر وإنستغرام طالما أن هاتفي الذكي يقوم بذلك الدور عني؟”.

ولكن ماذا عن الزمن؟ هل يختلف في الصغر عنه في الكبر؟ أنا شخصيا أنظر إلى دقائق الوقت وكأنها أوراق بيض فارغة.. أستطيع أن أملأها بما أشاء.. فقد يكون أدبا وإبداعا وألوانا ورسوما مبهرة.. وقد يكون خربشات أو لطخات سودا.. وقد لا يكون سوى بياض لا قبل للذاكرة بأن تحتفظ به.. ولذلك حتى وإن تقدم بنا العمر وصغر الزمن أمامنا.. وبدت دقائقه وأيامه وسنونه متشابهة سريعة.. فإننا نستطيع أن نملأها بما ينعش النفس ويحفز الحواس والذاكرة..

وأخيرا.. حين قرأت ذات مرة مقولة مفادها أن كل لحظة تمر بنا هي أشبه ببصمة إصبع متفردة لا يمكن لها أن تتكرر.. قررت حاسمة ألا أدع العمر يمضي دون أن تكون بصمتي واضحة فوق كل لحظة منه..

صباحكم بصمات واضحة..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر