الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

العابر والمقيم

ما ينتقل بالأعمال الفنية من أصلها المادي المتصل بالملكية وبالزينة والذخيرة العريقة، إلى الماهية الفنية، هو التفسير والتحليل النقديين، المتصلين بمسارات المعنى وتصورات المعارف، وإدراكات الجميل.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/01/04، العدد: 10502، ص(15)]

أعتقد أننا لا نحتاج دوما أن نكون مؤوّلين حين نواجه الأعمال الفنية، لم يكن جون جينيه يؤوّل منحوتات ألبرتو جياكوميتي حين خصّها بكتاب، فالتأويل شأن ذاتي يتصل بالفرد، وبقناعاته وبقدراته على التخيّل. لنقلْ إن جون جينيه كان يحد من الإبهار البصري لأعمال صديقه جياكوميتي، ويرسم مسالك للمعنى المرئي كيما تحتمله اللغة؛ بيد أنه كان يسعى بشكل واضح أيضا إلى أن يفند مقولة استشرافية الفن، وتعلقه بالأجيال القادمة، حين أعاد غرس تلك الكائنات الدقيقة والهشة، المحمولة على صلابة المعدن، في تربة زمنها الخاص، المتصل بالآلاف من السنين الماضية، وبذاكرة مزدحمة بهياكل الموتى…

كان جينيه يفكر، مثل محلّلين عديدين، بذهنية العابر (السارد) إزاء ذهنية المقيم (النحات)، ويضع قارئه أمام حقيقة غياب سلطة “التحفة”، إن لم تترجم لتفسيرات، تخص الثقافة والمجتمع وذاكرة الوعي الجمالي. لهذا افترض دوما أن ما ينتقل بالأعمال الفنية من أصلها المادي المتصل بالملكية وبالزينة والذخيرة العريقة، إلى الماهية الفنية، هو التفسير والتحليل النقديين، المتصلين بمسارات المعنى وتصورات المعارف، وإدراكات الجميل، وهو مستوى مختلف، إلى حد بعيد، عن احتمالات التأويل الفردي للرموز والألوان والكتل والتقنيات.

في محاضرة للمؤرخ والمفكر الفرنسي رولان ريشت بالكوليج دو فرانس سنة 2011، تحدث عن تاريخ الفن بما هو سرديات تنتجها الحقول الحاضنة للإبداع الفني والمحيطة به، بصدد التحف والذخائر التشكيلية المعروضة للنظر، فليست تلك الأعمال هي ما يصنع تاريخا دلاليا للجميل، بل ما تولده من تفسيرات وتستنبته من توصيفات تدخلها إلى حقل الثقافة، من هنا يمكن اعتبار اللوحة والمنحوتة والمنشأة… لا شأن لها إن لم تستثر أثرا لفظيا، ولم تولد أدبيات تحوّل التشكيلات البصرية إلى خطاب، فتاريخ الفن في النهاية ليس مجرّد كاتالوغ، بل نصوصا يكتبها المحاور المؤقت والناقد والروائي والشاعر العابر لمرسم الفنان، قبل محافظ المتحف والمشرف على رواق العرض.

أستثير هذه الأفكار، عزيزي القارئ، وفي ذهني ذلك الحرص الشديد من قبل عدد كبير من الفنانين العرب على الإقامة الدائمة في الفضاءات العامة، والمتاحف وأروقة العرض، دونما حرص على إكسابها امتدادات خطابية، تدخلها دائرة التداول المعرفي، لا أقصد هنا تلك التقديمات القصيرة والمتشابهة التي تطغى عليها التأويلات الانطباعية، المسرفة في الغموض، فتنتهي إلى مضاعفة حيرة جمهور المعارض وتكثف التباسات القراءة والفهم، بقدر ما أشير إلى المحاولات النقدية الممتدة في الزمن والمرتكزة على صداقة فكرية طويلة مع محترفات الفنانين التي تنتج سرديات العابر بإزاء الأثر المقيم.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر