الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

'سولي'.. معجزة في نهر هدسون تنقذ أرواح 155 شخصا

  • كان كاتب سيناريو فيلم “سولي” يعرف دون شك، أن حادثة هبوط طائرة أميركية على سطح مياه نهر هدسون في نيويورك في يناير 2009، لا تصلح في حد ذاتها لعمل دراما سينمائية مشوقة، خاصة وأن الجمهور العام، يعرف جيدا كيف انتهت بنجاة جميع الركاب وعددهم 155 فردا، إلاّ أن بعض التفاصيل التي يتضمنها الكتاب الذي استوحى منه كاتب السيناريو تود كومارنيكي سيناريو الفيلم، وهو كتاب “الواجب الأعلى” الذي كتبه قائد الطائرة شيزلي سولينبرغر (سولي) عن تجربته المرعبة، تصلح لإكساب أبعاد درامية تكشف الصراع داخل الشخصية الرئيسية أي شخصية الطيار “سولي”، والصراع بينه وبين بيروقراطيي هيئة سلامة النقل الأميركية التي أصبحت -في الفيلم- المعادل الدرامي لأشرار السينما.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(16)]

توم هانكس: بطل ارتفع فوق الأزمة

يعتمد سيناريو الفيلم الأميركي “سولي” Sully لمخرجه كلينت إيستوود على أسلوب في السرد يقوم على البدء من بعد وقوع الحادثة، أي بعد أن أصبح الطيار بطلا في أنظار الرأي العام، في حين أنه متهم من قبل المسؤولين في هيئة سلامة النقل، بالمقامرة بأرواح الركاب، وهو الآن ينتظر داخل فندق في نيويورك مع مساعده، في انتظار التحقيقات والاستجوابات التي ستجرى معه.

هذا الأسلوب أحدث إحساسا بـ”عدم الارتياح” في استقبال الفيلم، فقد بدا خلال الثلاثين دقيقة الأولى غير مفهوم ويفتقر للجاذبية المطلوبة، صحيح أن الفيلم يبدأ بمشهد سريالي مرعب هو مشهد حلم الطيار “سولي” نفسه لما يجري في عقله الباطن من سيناريو تخيلي لما كان يمكن أن يحدث لو لم يكن قد “اختار” الهبوط فوق صفحة النهر، حيث نشاهد طائرته تهوي لتصطدم بناطحات السحاب في مانهاتن.

إلاّ أن الأزمة النفسية التي يعاني منها البطل من البداية وتدفعه إلى مغادرة الفندق والجري قرب نهر هدسون وهو شبه مغيب تكاد سيارة تدهسه، لا تتضح تماما، فنحن لم نشاهد أصلا الظروف التي فرضت اختياره المرعب، وكيف اتخذ قراره خلال ثوان معدودة، وهي تفاصيل ستأتي في ما بعد، وكان من الأفضل ألا يبدأ بها الفيلم من خلال مسار السرد الطبيعي “الكرونولوجي” حتى يمكن فهم الأزمة النفسية للبطل.

ومع ذلك، اختار كاتب السيناريو أسلوب السرد المتعرج الذي يتأرجح بين الحاضر والماضي، وبين الحقيقة والحلم، مع الإفراط في الانتقال في ما بينها، بحيث فقدت لحظة وقوع الحادثة قدرتها على تحقيق الإثارة المطلوبة. يجب أن أستدرك هنا، لأقول إن مخرج الفيلم كلينت إيستوود الذي يتمتع بطاقة مدهشة على العمل في أفلام من هذا النوع، وهو في السادسة والثمانين من عمره، ربما يكون قد فضل أن يجعل فيلمه هذا خارج الدائرة التقليدية لأفلام الكوارث، مفضلا أن يقيم بناءه على أساس “دراسة الشخصية”.

إن بطل الفيلم “سولي”- الذي يحمل الفيلم اسمه- يتسق تماما مع فكرة إيستوود المتكررة في الكثير من أفلامه عن البطولة: فهو رجل أميركي، أبيض، تجاوز منتصف العمر، يتمتع بخبرة طويلة في مجاله المهني (42 عاما في الطيران)، وهو يردد في أحد المشاهد أنه نقل ليس أقل من مليون مسافر. إنه نموذج للبطل الإيجابي.

الفيلم يتمتع بحرفية عالية في تنفيذ مشاهد تجسيد الفزع داخل الطائرة، ثم هرولة الركاب في محاولة الخروج منها

فهو سريع البديهة، يمكنه اتخاذ قراره في برود تام، يعرف كيف يقود الفريق الذي يعمل معه على متن الطائرة، وبعد أن تنجح مراهنته على الهبوط بالطائرة التي اخترقت الطيور العملاقة محركيها الاثنين بعد إقلاعها بنحو أربع دقائق فقط، فأفقدتها القدرة على البقاء في الجو، يصبح بطلا في أنظار الجمهور العام: يستقبله الأميركي العادي، رجل الشارع كما لو كان أحد أبطال الأمة الأميركية، ولا شك أنه كذلك بالفعل.

إنه توم هانكس أو “القبطان فيليبس” الذي تمكن قبل ثلاث سنوات من إنقاذ سفينته من القراصنة الصوماليين، ثم المحامي الفذ الذي تمكن من إنقاذ الطيار الأميركي الأسير في الاتحاد السوفيتي بموجب صفقة تبادل الجواسيس عند الجسر الشهير في برلين الشرقية في فيلم “جسر الجواسيس”.

طبقا لاهتمامات إيستوود ونظرته الخاصة إلى معنى البطولة الأميركية، من عساه يكون أفضل من توم هانكس للقيام بدور سولينبرغر، إنه هنا البطل الذي بدلا من أن يحظى بالتكريم من جانب “المؤسسة”، يوجه إليه اللوم. إنه تنويعة أخرى على “القناص الأميركي” الذي يؤدي واجبه بإخلاص وشجاعة في الخارج، لكنه يواجه الهجوم في الوطن من الإعلام “الليبرالي” الذي لا يعرف كيف تكون الظروف على الأرض، وهو تحديدا نفس ما يردده حرفيا “سولي” في الفيلم لمن يستجوبونه.

رغم الاضطراب البادي في النصف ساعة الأولى من الفيلم ينجح إيستوود بعد ذلك ويتفوق بحرفيته العالية، في إخراج مشاهد الانقاذ من فوق صفحة النهر، ويكثف ببراعة في مشهد المواجهة بين الطيار وموظفي هيئة سلامة النقل، كيف تنتصر الثقة والدقة المهنية والتماسك الشخصي، رغم الشكوك الأولى، بعد أن يتغلب البطل على شكوكه الأولى، ويجعل من المشاهدة المتكررة للسيناريوهات المختلفة البديلة للهبوط بالطائرة، مبارزة ذهنية ينتصر فيها “البطل” على المؤسسة، مدعوما بقوة المنطق والحجة والأدلة التقنية.

يتمتع الفيلم بحرفية عالية في تنفيذ مشاهد تجسيد الفزع داخل الطائرة ثم هرولة الركاب في محاولة الخروج بعد هبوط الطائرة في الماء، وغير ذلك من المشاهد، التي استخدمت في تنفيذها الصور التي تنتج عبر الكمبيوتر مع مزجها بالتصوير الداخلي، أي داخل الأستوديو والتصوير الخارجي.

ويستحق الأداء القوي المقنع للممثل توم هانكس، التقدير، فهو لا يتقمص الشخصية فقط، بل يضيف من مشاعره الداخلية إليها ويغذيها ويبدو شديد الإقناع في تردده وتشككه الأولي، من خلال نظراته وطريقته في الحديث مع زوجته عبر الهاتف، ثم أثناء لقائه بشخصيات من قاع المجتمع في المقصف، وفي الشارع، ثم في تجسيد الإحساس بالسمو، والارتفاع فوق الأزمة وقت وقوع الأزمة، والقدرة على كبح جماح النفس كقائد حقيقي مسؤول عن حياة 155 شخصا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر