الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

رفيق سبيعي أبو صياح يرحل دون أن يحل لغز 'شرم برم كعب الفنجان'

شخصية 'القبضاي' الدمشقي، أو ما بات يعرف لاحقا بـ'العكيد' في الأعمال الشامية الحديثة تعتبر ابتكار رفيق سبيعي منذ البداية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/01/07، العدد: 10505، ص(14)]

'فنان الشعب' ومونولوغ طويل بين المشخصاتي وجمهوره

برلين - سيفتقد المشاهدون تلك النبرة المتحشرجة نوعا ما في صوت رفيق سبيعي الذي غيبه الموت قبل يومين. بعد أن ألفوها طويلا في أعمال درامية كثيرة وفي أغان ومونولوجات لا تغيب عن البال، بغض النظر عن الانقسام الذي شهدته ردود الفعل على وفاته. فسبيعي يمثل حالة الانقسام العائلي في تأييد النظام ومعارضته، ابنه الممثل والمغني الراحل عامر سبيعي ومعه شقيقه بشار كانا ضد نظام الأسد. بينما بقي الأب رفيق وابنه المخرج سيف الدين سبيعي مؤيدين إلى أبعد حد للأسد ونظامه.

ضيوف الشاشة

لا نزال نعيش عصرا من الدراما استمر أكثر من نصف قرن، أسس له جيل تساقطت شخوصه يوما بعد يوم، دون أن يفقد الجمهور العربي تلك الصلة الوطيدة بالشاشة البيضاء والسوداء، ولا بمن طلوا عليه من خلالها إلى بيوت بالكاد عرفت معنى ووظيفة الدراما والكوميديا أواسط القرن العشرين.

في الوقت الذي اعتادت الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي استطاعت أن تتملك أجهزة تلفزيون في ذلك الوقت، على التعامل مع من تصغي إليه بتبجيل واحترام، كما لو كان معلما في صف، أو مديرا في مصلحة ما، تعامل أبناء تلك الطبقة مع أولئك الذين ظهروا على الشاشة الصغيرة الرمادية اللون، استمعوا إليهم جيدا، وراقبوا حركاتهم وسكناتهم وانتبهوا إلى الأزياء التي كانوا يرتدونها، وحفظوا لهم نصيبهم من الاحترام والتقدير. لكن ما الذي كان يحصل على الضفة الأخرى لعملية التلقي، عند أولئك النجوم؟ كان هؤلاء القادمون من بيئات مختلفة في سوريا والعراق ومصر ولبنان والمغرب والخليج العربيين، يحققون نصرا كبيرا لا يقدّر عندهم بثمن، كانوا يحصلون على اعتراف الناس، فقد غير التلفزيون حياتهم.

(حمام الهنا) تبرز فيه شخصية أبو صياح مالك الحمام الذي يعمل فيه غوار وتدور فيه القصص والحكايات. وهو مسلسل تلفزيوني سوري بسيط أنتج في العام 1968 عن رواية بعنوان (الكراسي الإثنا عشر) للكاتبين الروسيين ايلف وبتروف، وكان فكرة وإخراج المخرج العراقي القدير فيصل الياسري

كان هؤلاء المشخصاتية يدورون على القرى والمدن ومسارحها يغنون ويرقصون ويمثلون، يحاولون بكل ما استطاعوا أن يكسبوا تلك اللحظة التي يصفق لهم فيها الجمهور، وربما كان جمهورا من عدد قليل من الناس تعد على أصابع يدين اثنتين.

كان هذا ما سألت عنه رفيق سبيعي الفنان السوري الذي رحل عن عالمنا قبل يومين. ما هو السحر الذي جعلك تتجه إلى الفن وأنت الدمشقي الذي كان من الممكن أن يعمل في التجارة والبيع والشراء في وسط الحي الذي ولد فيه؛ حي البزورية الشهير في قلب دمشق القديمة؟

العام 1930 كان العام الذي ولد فيه رفيق سبيعي. هو ذاته العام الذي ولد فيه حافظ الأسد ودريد لحام، وهما إثنان أثرا على حياة سبيعي لاحقا أيما تأثير. الأول ضمن للممثل الدمشقي الاحترام والتقدير الذي لم يحظ به من قبل، كما كان يقول حين أطلق عليه لقب “فنان الشعب”، والثاني، انتزع منه ذلك الاحترام. ولذلك بقي رفيق سبيعي وفيا للسلطة، كما يفهمها، وبقي أيضا على موقفه الحاد من شخصية دريد لحام، الذي كان يكن له الكثير من الضغينة المضمرة، وأحيانا المعلنة، بسبب مواقفه منه ورغبته في تهميشه.

الفن والشعب والقبضاي

اللقب الذي التصق برفيق سبيعي طيلة سنوات عمره التي شارفت على التسعين، ارتبط بالشعب والفن الشعبي، وهذا أتى من المونولوج الذي برع فيه، والهيئة التي ظهر فيها بزيه الشعبي ولهجته الشامية، والخال ذي الشعيرات الذي كان يضعه على حنكه، رمزا للرجولة.

اختار سبيعي العمل منذ أواسط الأربعينات، على مسارح دمشق ومنتدياتها، فشارك مع الفرق الكوميدية التي ظهرت في ذلك الوقت مثل فرقة علي العريس وسعدالدين بقدونس وعبداللطيف فتحي وغيرهم. ولكن ليس كممثل بل كـ”ملقّن” يساعد الممثلين على الخشبة في تذكر أدوارهم، قبل أن ينتقل إلى التمثيل معهم.

بقي يعمل على هذا النحو حتى بداية الخمسينات حين ابتكر شخصية “القبضاي” الدمشقي، أو ما بات يعرف لاحقا بـ”العكيد” في الأعمال الشامية الحديثة. وكان القبضاي يمثل القيم المجتمعية والقوة والفروسية. وخضعت تلك الشخصية لتطويرات كثيرة، فكانت “أبو جميل” ثم “أبو رمزي” لتستقر أخيرا على شخصية “أبو صياح”.

سبيعي موسوعة للفنون العربية السمعية والبصرية

كان المجتمع السوري والعربي عموما يخرج من حرب تحرير مع الدول الاستعمارية، آخذا في بناء تكوينه الطبيعي في حالة السلم. وكانت للسلم شروطه، فلابد من قيم وأخلاقيات تنظم حياة الناس في الفوضى التي رافقت الصراع مع المحتلين. ولم يكن في ظل غياب السلطات المحترمة، من بديل سوى ذلك القبضاي، كي يعيش ليس فقط على خشبات المسرح، ولكن في أذهان الناس وفي قلوبهم، يحدثهم عن الفتوة والحاجبين المعقودين، كما في أغنيته “يا ولد لفلّك شالْ، واتعلّم شغل الرجالْ” وغيرها.

ازداد حضور سبيعي مع مشاركته في تأسيس المسرح الحر، وأخذ يقدم ما هو أوسع من المونولوج والطقطوقة، مسرحيات مثل “بالمقلوب” و”مرتي قمر صناعي” و”طاسة الرعبة” و”صابر أفندي” للكوميدي الرائد حكمت محسن.

أدخل عهد الوحدة والمد القومي العربي رفيق سبيعي كما أدخل غيره، في حالة تحشيد ثورية وطنية دائمة، فتحولت أعماله من الكوميديا إلى الأعمال النضالية، وباتت تظهر عناوين المسرحيات التي شارك فيها في المسرح القومي على النحو التالي “أبطال بلدنا” و”البورجوازي النبيل” و”الأخوة كارامازوف” و”الاستثناء والقاعدة” و”لو رآنا الناس معا” عن قضية التمييز العنصري.

ولم يتخل سبيعي طيلة الوقت عن فن المونولوج الذي واكب من خلاله تطورات حياة الناس، ودخول الأزياء والموضات إلى يوميات الشبان والشابات. وكانت الكلمات الساخرة هي المفتاح كما في أغنية “شرم برم كعب الفنجان” التي تناول فيها الشباب. تقول كلمات الأغنية “شرم برم كعب الفنجان/ يا حبمبم ملا شبان/ مدري شباب مدري نسوان/ شرم برم كعب الفنجان/ ليكوكه لك ليكوكه/ يا سعدية ليكوكه/ سعفص لابس باروكه/ بيحكي فرنسي وترّوكه/ شرّف سيدي/ جنتل ليدي/ شورت وميني/ ماكسي وميدي/ وشرم برم كعب الفنجان/ عالبطاطا وعالبوظه/ وعالشاي وعالكازوزه/ وهالأغاني المحظوظه/ بأي طريقه ملفوظه/ ويلي عالمزمزيلات/ لك لبسوا آخر موديلات/ محاهن بالماكسيات/ عاريات ومكسيات/ بكرا مطرح ما بتفوت/ بتلاقي الرزق ببلاش/ ويمكن يغلى ورق التوت/ وتسكّر مصانع القماش/ وشرم برم كعب الفنجان”.

سفر برلك

في عام 1962 ظهر سبيعي في برنامج “نهوند” التمثيلي بشخصية شعبية “سعدو حنّي كفك”، وقدم أغنية بعنوان “حبك بقلبي دوم ساكن مطرحو”، وقدم عبر “أبو صياح” أغنية “داعيكم أبو صياح معدل ع التمام”. وتواصلت طقاطيقه الناقدة الفكاهية على شاكلة “العيشة صارت مرّة” و”زمن العواطف” “لا تدور ع المال” “وشروال وميني جوب” والكثير غيرها، بعضها تعلق به الناس، وحفظته الأجيال ورددته في سهراتها ورحلاتها.

جاءت الستينات لتنقل سبيعي من طور إلى آخر، حين فتحت له الشاشة الكبيرة ذراعيها. فشارك في أكثر من خمسين فيلما بدءا من ذلك الزمن وحتى رحيله. كان أولها فيلمه “سفر برلك” مع فيروز والرحابنة في العام 1966، ثم “غرام في اسطنبول” في العام 1967، ثم مع فيروز من جديد في “بنت الحارس” بداية السبعينات، ثم في سلسلة من الأفلام التجارية التي حافظ بها على حضوره في المهنة والوسط، دون أن يفوت مخرج كبير مثل محمد ملص الاستعانة به في فيلمه “أحلام المدينة” الذي أعاد لسبيعي قليلا من الهيبة التي كان قد خسرها بسبب الأعمال السينمائية التجارية التي قام ببطولتها، أردفه بفيلم “الشمس في يوم غائم” في أواسط الثمانينات، ثم “صندوق الدنيا” لأسامة محمد و”الليل” لملص مرة ثانية و”الليل الطويل” لحاتم علي وهيثم حقي.

سبيعي تألق في مسلسلات حفرت عميقا في الذاكرة

طاقة رفيق سبيعي لم تكن تقتصر على العمل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، فقد حافظ على تقاليد العمل في الإذاعة أيضا، وكان قد بدأ العمل فيها في الخمسينات. وبرز عمله “حكواتي الفن” الذي دام أكثر من إثني عشر عاما، ليكون موسوعة للفنون العربية السمعية والبصرية استعرض من خلالها القديم والجديد بصوته وإعداده وإخراجه في إذاعة دمشق.

وفي أواسط التسعينات استطاع حاتم علي أن يعيد رفيق سبيعي إلى المسرح من جديد في مسرحيته “مات ثلاث مرات”، وكذلك فعل ابنه سيف الدين سبيعي في العام 2001 حين قدم والده رفيق في مسرحية “شو هالحكي” من إعداده وإخراجه بالاشتراك مع نضال سيجري وجلال شموط عن نص للكاتب زكريا تامر.

صاحب حمام الهنا

أعمال رفيق سبيعي في التلفزيون بدأت رسميا مع مسلسل “مطعم السعادة” مع نهاد قلعي ودريد لحام، ثم في “مقالب غوار” و”حمام الهنا”، وكانت شخصية أبوصياح أيضا صاحب الحمام الذي يعمل فيه غوار وتدور فيه القصص والحكايات، وهو مسلسل تلفزيوني سوري بسيط أنتج في العام 1968 عن رواية بعنوان “الكراسي الاثنا عشر” للكاتبين الروسيين ايلف وبتروف، وكان فكرة وإخراج المخرج العراقي القدير فيصل الياسري وأعد له السيناريو والحوار الفنان القدير الراحل نهاد قلعي، وعاش طويلا لدى المشاهدين العرب، ولا تزال بعض المحطات العربية مواظبة على عرضه كل عام.

بعد “حمام الهنا” تواصلت أعمال سبيعي فتألق في مسلسلات حفرت عميقا في الذاكرة؛ “دروب ضيقة” و”الحريق” و”الينابيع” و”لك يا شام” و”الخشخاش” و”الانحراف” و”أيام شامية” و”دمشق يا بسمة الحزن” و”العبابيد” و”الفصول الأربعة” و”صقر قريش” و”ليالي الصالحية” وغيرها.

كان رفيق سبيعي يقول ردا على سؤال لماذا اتجهت إلى الفن وأنت ابن الحارة الشامية؟ في مقهى الروضة في شارع العابد، حيث يأتي للعب طاولة الزهر في سنوات ماضية “أنا أبوصيّاح بالأصل. لكن ما يراه الناس أمامهم هو مجرد مظهر خارجي”، واستمر يردد هذا في حواراته، واصفا المظهر الخارجي بأنه “زيف المدنية”، مع أن المدنية والتمدّن هما سر الشام وسحر الشام.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر