الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

شخصية استثنائية

من رحم 'نادي السينما' خرجت العشرات من النوادي السينمائية، سواء تلك التي أقامها جهاز الثقافة الجماهيرية (ولم يبق منها شيء الآن)، أو التي تأسست في الجامعات.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(16)]

جاء رحيل أحمد الحضري مؤخرا ليطوي صفحة حافلة من تاريخ الثقافة السينمائية في مصر والعالم العربي كله.. فقد كان الحضري شخصية أساسية مؤثرة ضمن شخصيات قليلة لعبت دورا رياديا في ثقافتنا السينمائية لعدة أجيال، منذ أن عاد من دراسة الهندسة المعمارية في العاصمة البريطانية، ثم تخليه عن مهنته الأصلية، وتفرغه التام لنشر الثقافة السينمائية.

كان أحمد الحضري الذي توفي عن 90 عاما، شخصية استثنائية، فقد ساهم بنشاطه الكبير في تغيير وجه العلاقة مع السينما لدى أجيال من الباحثين والدارسين وعشاق الفن السينمائي ومحترفيه، سواء من خلال ما تولاه من مناصب بارزة ومؤثرة، أو من خلال المنتديات السينمائية التي أسسها أو شارك في تأسيسها في فترة من أخصب فترات الحياة الثقافية المصرية في الخمسينات والستينات.

فالحضري الذي تعرف عن قرب على تجربة جمعيات السينما في لندن في عصرها الذهبي، بادر بعد سنوات قليلة من عودته إلى القاهرة بتأسيس أول تجمع مستقل لسينما الهواة في مصر وهو “جمعية الفيلم”، ومن رحم هذه الجمعية، تخرجت أجيال وأجيال من السينمائيين والنقاد وهواة السينما. ومن داخل هذه الجمعية، كان الحضري وراء إنتاج فيلم “حصان الطين” للمخرجة عطيات الأبنودي، التي طافت به على مهرجانات السينما العالمية، حيث حصدت العشرات من الجوائز، وكان فيلما من أفلام الهواة، قام الحضري بتصويره ووضع خطة تفصيلية لكل لقطاته، وأصبح الفيلم مفتاح المنحة الدراسية التي حصلت عليها مخرجته للدراسة في أرقى معاهد السينما في لندن.

تولى الحضري عمادة معهد القاهرة للسينما في عام 1967، وشهد المعهد في عهده نشاطا كبيرا، فقد استقدم الكثير من الخبرات الأجنبية لتدريس السينما، إلى جانب كبار السينمائيين المصريين مثل صلاح أبوسيف ويوسف شاهين وحلمي حليم وعبدالعزيز فهمي وعلي الزرقاني وغيرهم.

أسس الحضري نادي “سينما القاهرة” الذي بلغ عدد أعضائه في وقت ما، خمسة آلاف عضو، وكان ينظم عروضا عدة أسبوعيا، وكان النادي المدرسة التي تخرج منها الكثير ممن أصبحوا من ألمع الكتاب والنقاد والمخرجين في مصر.

وكان الحضري يصدر نشرة أسبوعية ثرية عن نادي السينما فتحت صفحاتها أمام النقاد الشباب، واعتمد الحضري أسلوبا يشمل عرض تتابع مشاهد الفيلم ثم تحليله الفني، وكان يقوم بنفسه بإعداد كشاف تفصيلي شامل لكل محتويات النشرة سنويا.

ومن أهم المشاريع التي دشنها مشروع الكتاب السنوي للسينما المصرية الذي يتضمن معلومات شاملة عن كل أفلام العام، وهو المشروع الذي استمر لسنوات، ثم توقف في عهد من جاؤوا بعده في رئاسة المركز القومي للسينما، كما أصدر مجموعة كبيرة من الكتب المرجعية في فن السينما.

من رحم “نادي السينما” خرجت العشرات من النوادي السينمائية، سواء تلك التي أقامها جهاز الثقافة الجماهيرية (ولم يبق منها شيء الآن)، أو التي تأسست في الجامعات.

وكنت شخصيا وراء تأسيس أحد هذه النوادي، وقد بدأت علاقتي بالحضري في تلك الفترة، حيث كنت أتردد عليه في مكتبه بالمركز الفني للصور المرئية في وسط القاهرة، لكي يقرضني الأفلام لعرضها في نادي السينما بالجامعة في نسخ سينمائية من مقاس 35 مم.

التحق الحضري في فترة من حياته كمهندس في الجيش، وربما لعب هذا دورا في تكوينه الذي كان يميل إلى الدقة الشديدة، والنظام، وكان يميل إلى اتباع “الأصول” و”الانضباط” في تعامله مع الآخرين، وكان محافظا في أفكاره، كتوما، لا يبوح بآرائه بسهولة، ولا يترك العنان لانفعالاته.

وكنا كشباب ثائر نستنكر صمته أحيانا، خاصة إزاء ما كان يقع من تدخل رقابي أحيانا في نشاط “نادي السينما” في زمن الغضب الطلابي والشعبي ضد نظام السادات، ولكن حكمة الحضري كفلت الإبقاء على النادي الذي ظل لأكثر من عشرين عاما قلعة من قلاع الثقافة السينمائية، وعندما أرغم الحضري على التخلي عنه، سرعان ما سقط ثم توقف نهائيا.

ناقد سينمائي من مصر

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر