الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

اختلال التوازنات في منطقة آسيا الوسطى على وقع تقارب طالبان وموسكو

شكل التمدد لداعش في المناطق التقليدية لحركة طالبان مصدر قلق لهذه الأخيرة، ذلك أن داعش اختار تسمية المنطقة بنفس التسمية التي كان تنظيم القاعدة قد اختارها في زمن أسامة بن لادن.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(7)]

أصبحت السياسة الخارجية الروسية في الفترات الأخيرة تحرص على الاستفادة من الفراغات التي تتركها الإدارة الأميركية، وتسعى إلى تسجيل حضورها في العديد من الملفات بهدف موازنة الحضور الأميركي على الصعيد الإقليمي والدولي. وفي الآونة الأخيرة لوحظ تقارب بين حركة طالبان، التي تقاتل الحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غاني، وبين موسكو، من شأنه أن يقلب التوازنات الاستراتيجية والأمنية في منطقة آسيا الوسطى.

السفير الروسي في أفغانستان أكد أن تقارب بلاده مع الحركة يرمي إلى ضمان الأمن والاستقرار في آسيا الوسطى، مشيرا في ذات الوقت إلى أن بلاده والحركة معا تقاتلان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي يظل العدو المشترك للطرفين. وتبدو موسكو قلقة من وجود جماعات إسلامية متشددة في عدد من المناطق في آسيا الوسطى، ومن احتمالات تمدد تنظيم أبوبكر البغدادي في أفغانستان، على الحدود مع روسيا، كما تنظر إلى تلك الاحتمالات بوصفها تهديدات واقعية للأمن الروسي، في حال حصول أي تحالف أو تقارب بين تنظيم داعش والتنظيمات المسلحة المتواجدة في المنطقة.

وهذا هو ما تريده أيضا حركة طالبان، التي بات وجودها مهددا أمام زحف تنظيم البغدادي والانقسامات الحاصلة بداخلها بسبب انضمام عدد من مقاتلي الحركة إلى داعش، الذي يسعى بدوره إلى القضاء على الحركة وضرب موقعها لدى الجهاديين. ففي يناير من العام 2015 أعلن عشرة جهاديين من إقليم خراسان، تابعين للحركة، عن مبايعة أبوبكر البغدادي، بمن فيهم المتحدث الرسمي السابق باسم طالبان أبوعلي مقبول الخراساني الملقب باسم شهيد الله شهيد، وبذلك أصبح التنظيم للمرة الأولى يتوفر على قاعدة تابعة له في أفغانستان وباكستان. تلا ذلك انضمام الحركة الإسلامية لأوزبكستان إلى تنظيم الدولة، بعد أن كان مواليا لحركة طالبان منذ العام 2000 وقاتلت إلى جانبها قوات شاه مسعود. وقد وجهت الحركة في شهر أغسطس من عام 2015 رسالة قوية إلى قيادة حركة طالبان تكيل لها فيها انتقادات حادة، وتدعوها فيها إلى اتخاذ بعض الخطوات من أجل تصحيح مسارها الجهادي، ومن تلك الخطوات “قطع جميع أنواع العلاقات مع الإدارات الخفية الباكستانية”، وإيقاف مسلسل المفاوضات مع الحكومة الأفغانية، وإغلاق المكتب السياسي التابع للحركة في قطر، والكشف عن جميع الحقائق حول وفاة زعيم الحركة الأسبق الملا محمد عمر، وتوضيح “الموقف الشرعي تجاه طائفة هزارة الشيعية الرافضة الموجودة في أراضي أفغانستان”، و”تنظيف جميع البيانات السياسية المنشورة من قبل الإمارة الإسلامية لأفغانستان من الألفاظ القومية الأفغانية”، وإعلان الانضمام إلى دولة الخلافة للبغدادي”التي كانت أُمنية المسلمين المستضعفين منذ قرن مضى”، ومنع زراعة الخشخاش وجميع المخدرات الأخرى، وتطبيق جميع أحكام الشريعة الإسلامية في المناطق المحررة من أفغانستان.

وقد شكل هذا التمدد لداعش في المناطق التقليدية لحركة طالبان مصدر قلق لهذه الأخيرة، ذلك أن داعش اختار تسمية المنطقة بنفس التسمية التي كان تنظيم القاعدة قد اختارها في زمن أسامة بن لادن، عندما أطلق على أفغانستان اسم خراسان فأصبحت باكستان منضوية فيها تلقائيا. وبذلك أصبح التنظيم يزاحم طالبان في عقر دارها.

وبالموازاة مع الصراع الميداني الذي خاضه تنظيم البغدادي مع طالبان، فتح التنظيم جبهة أخرى وهي الجبهة الدينية والفقهية، فوضع عددا من الكتيبات والرسائل التي يكيل فيها الاتهامات إلى الحركة وخطها الأيديولوجي، ويشكك في إمارة أفغانستان ومؤسس الحركة الملا محمد عمر، الذي اتهمه بأنه “أمير خفي غير ظاهر”، لأنه لم يظهر في أي شريط مصور ولا في أي لقاء رسمي، ولم يصدر عنه أي تصريح علني، باستثناء بيانات الحركة التي توقع باسمه، ولا توجد له سوى صورة وحيدة هي التي تروج له؛ وخفاء الأمير أو ستره لدى التنظيم من دواعي إسقاط مشروعيته.

وفي العدد العاشر من مجلة “دابق”، النسخة الإنكليزية، نشر التنظيم فتوى تحت عنوان “فتوى من خراسان”، يقول فيها السائل “إذا كان الأمير (يقصد الملا عمر) حيّا فإن البيعة لشخص ثان غير جائزة، بناء على الحديث الذي رواه أبوسعيد الخدري “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما”، ولكن إذا افترضنا أنه الآن مقتول فإن واجب العامة أن تعرف اسم الأمير الجديد (يقصد البغدادي)، أما إذا ثبت أن الملا عمر لا يزال حيّا، فإن بيعة البغدادي تكون محل نظر”. وقد ردت المجلة على شكل فتوى “شرعية” من سبع صفحات، مفادها أن الإمارة في منطقة معينة وقفت على تلك المنطقة وفي إطار حدودها الترابية إلى أن يأتي أمر الإمارة العامة، وأن الإمارة العامة في “مقام الماء للوضوء”، والإمارات الخاصة “في مقام التيمم”، تكون بديلا أو خيارا “في حالة الضرورة فحسب”.

ثم انتقلت الفتوى إلى المقارنة بين البغدادي، الذي يمثل الإمارة العامة، والملا عمر الذي يمثل الإمارة الخاصة، فقالت إن هذا الأخير هو زعيم قومي ووطني لكنه يفتقد إلى الشروط والمواصفات التي تمنحه صفة الإمارة العامة، ومن الموانع لديه ما سبقت الإشارة إليه أعلاه، أي اعترافه بالأمم المتحدة والديمقراطية والجوار السلمي مع بلدان الجوار وغيرها من القضايا الأخرى، وختمت الفتوى بالقول إن هذه المواقف والتصريحات الصادرة عن حركة طالبان والملا عمر “مخالفة للشريعة”.

وتشكل هذه الخلفية، بالنسبة إلى حركة طالبان، مبررا للتقارب مع روسيا في المرحلة الراهنة، فهو سيتيح لها حليفا موضوعيا لقتال العدو المشترك. وبالرغم من أن موسكو لا تقاتل تنظيم داعش في سوريا، لحسابات جيواستراتيجية معروفة، إلا أنها تعتبر وجود التنظيم قريبا منها مصدر تهديد جدي.

بيد أن موسكو لديها هدف آخر من التقارب مع الحركة، وهو مناكفة الولايات المتحدة الأميركية، التي تواليها حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها أشرف غاني، الذي حقق تقاربا أكبر مع واشنطن منذ انتخابه عام 2014 خلفا لحامد كارزاي. فخلال العامين الماضيين وقعت الحكومة الأفغانية عددا من الاتفاقيات الاستراتيجية مع واشنطن وحلف الناتو، الخصمين اللدودين لموسكو ولطالبان في الوقت نفسه، وتنظر موسكو بنوع من القلق إلى وجود قوات عسكرية أميركية في أفغانستان، وما زاد في شكوكها ـ على الأرجح ـ تباطؤ الإدارة الأميركية لباراك أوباما في سحب الجنود الأميركيين، منذ العام 2008 حين قدم وعدا بذلك، بيد أنه تراجع في الأخير بدعوى أن الوضع في البلاد لا يزال حرجا.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر