الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

ممتاز البحرة الكوميكس يأسر العقول والقلوب

أعمال البحرة لا تشبه أعمال رسامي الكاريكاتير فهي غنية بربيع من الألوان ينهمر مع كل زاوية يمكن أن ينظر إليها المرء منها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/01/21، العدد: 10519، ص(13)]

فنان بلا عقد حمل رسومه ملايين الأطفال في حقائب طفولتهم

برلين - كل من ولد في سوريا قبل قرابة الخمسين عاماً، يعرف من هو ممتاز البحرة. ليس لأن البحرة رجل استعراض وشهرة، ولكن لأن عمله كان يصبّ مباشرة في دقائق حياة الأطفال السوريين، بدءاً من اللحظات الأولى لتعلمهم القراءة، متدرجاً معهم في مناهجهم المدرسية وقصص المجلات المرسومة بالكوميكس في البلاد.

لكن البحرة لم يكن وحده، بل كان معه فريقه الخاص. وكان باسم أحد مساعديه ورباب مساعدته الثانية. شخصيتان ابتكرهما الرسام لتعيشا في كل بيت. وفي الوقت الذي كان الفنانون العرب والسوريون يتجهون إلى الكاريكاتير السياسي، كان البحرة يتجه نحو الأطفال، يرافق القصص التي يكتبها الكتاب، والقصائد التي ينظمها لهم الشعراء على شكل أناشيد.

ولد البحرة في حلب العام 1938 لعائلة دمشقية. كان والده محمود البحرة تربوياً هو الآخر، وكان يعيش في الثلاثينات في حلب. قبل أن يعود بأسرته إلى دمشق.

الكاريكاتير المحرم

غادر دمشق لدراسة الفنون الجميلة في القاهرة، أيام الوحدة ما بين سوريا ومصر. كان رفاقه في رحلته تلك، نذير نبعة ومحيي الدين اللباد. لكنه ما لبث أن عاد حين توفي والده، وكان عليه أن يجلس محله على كرسي المسؤولية، فالتحق بكلية الفنون في دمشق، ليتابع دراسته التي يروي أن أيامها كانت حافلة برسومات للأطفال “منذ أيام الدراسة في الجامعة بدأت أرسم للأطفال وبقيت التجربة غير مرضية بالنسبة إليّ حتى وصلت إلى صيغ اعتمدتها بشكل نهائي”.

الحوارات النادرة للبحرة الذي لم يكن لديه وقت للأضواء والشهرة، فقد حصل منها ما يكفي على حد قوله، تمكّن القارئ من التعرف إلى عوالم هذا الفنان المختلف. ففي الوقت الذي كان مشغولاً به بالرسم للأطفال كان يفعل أمورا أخرى “رسمت الكاريكاتير السياسي في جريدة ‘الصرخة’ السورية، ومن ثم عملت في مجلة ‘الجندي’ وعملت أيضا في الرسوم المرافقة للنصوص وهى تصل إلى مستوى عالٍ فنياً”.

بعد إنهائه دراسة الفنون الجميلة، عمل كمدرس للرسم، وتم تعيينه في الشمال السوري، في مدينة الحسكة، ثم عاد بعد عامين للتدريس في دمشق. كان اسم ممتاز البحرة، هو اسم أول رسام كاريكاتير يجري اعتقاله بسبب رسومه الساخرة في سوريا، نتيجة انتقاده لعبدالناصر وسياساته، يقول “أبعدني عن رسم الكاريكاتير المزاج البرجوازي الصغير المحافظ في بلدنا الذي لا يفضل أن يتناوله الكاريكاتير.

تكليفه برسم الكتب المدرسية التي تصدرها وزارة التربية السورية، كان الفرصة الكبرى لخيال البحرة، كي يحلق عاليا في سماء البشر وحياة الشخصيات التي ابتكرها مثل باسم ورباب ومعها الأجيال المختلفة التي تحكي عنها المناهج الدراسية. فدخل إلى كل بيت وصفّ وحقيبة تلميذ صغير

نحن نحب الكاريكاتير، ولكن أن يتناولنا العياذ بالله”، بعد أن اعتقل أكثر من سبعين يوماً في العام 1963. ويقال إن حكماً عسكرياً بإعدامه قد صدر برفقة الصحافي نصرالدين البحرة وعباس الصوص وغيرهما، وقد ألغي حكم الإعدام قبل تنفيذه بساعات اثر تغلب المجموعة البعثية على الناصريين آنئذٍ في انقلاب 8 آذار.

قطيعة مع التراث

جاء العام 1969 وهو عام تأسيس مجلة “أسامة” الموجهة إلى الطفل. كانت مجلة رائدة في العالم العربي، فكتّابها كانوا من كبار الكتاب السوريين، بعد أن تم تأسيسها على يد سعدالله ونوس ونجاة قصاب حسن وممتاز البحرة ذاته الذي يقول “كنت من مؤسسي مجلة ‘أسامة’ وكانت المجموعة التي عملت معها متحمسة جدا وكان العنصر الأساسي بالنسبة إليها هو أن المجلة موجهة للأطفال، أطفالنا وأطفال الوطن العربي وغير متأثرة بالاتجاهات الغربية”.

يقول البحرة لموقع “آراب كارتون”، “إن الحماسة السياسية هي سبب نجاح تجربة مجلة ‘أسامة’. الحماسة على الجديد والمغامرة والقصة المشوقة المكتوبة خصيصا للمجلة. كنا راغبين بتقديم لون وطني يخاطب بالذات المشاعر الوطنية للطفل. الآن هناك توجه نحو الإغراق بالتراث وما إلى ذلك، والتراث استهلك من كثرة ما تم تقديمه للأطفال والطفل حساس وقاس وعادل تعجبه الأعمال الجديدة ويحس بها جداً، وكذلك الأعمال الأصيلة”.

رأى البحرة أن التراث مليء بالأشياء الجميلة، لكنها تحتاج إلى إعادة بحث، فالتراث “يحتاج إلى جهود لنبش الدرر الموجودة فيه، إذ لا يجب أن يحكمنا، وإنما يجب أن نستفيد نحن منه”.

تكليفه برسم الكتب المدرسية التي تصدرها وزارة التربية السورية، كان الفرصة الكبرى لخيال البحرة، كي يحلق عالياً في سماء البشر والشخصيات ذات الأجيال المختلفة التي تحكي عنها المناهج الدراسية. فدخل إلى كل بيت وصفّ وحقيبة تلميذ صغير.

الأكاديمية المخضرمة ملكة أبيض، زوجة الشاعر الراحل سليمان العيسى، تقول إن العيسى والبحرة “عملا معاً لسنوات طويلة، وأحياناً في المطبوعات نفسها سواء في مجلة ‘أسامة’ أو في الكتب المدرسية حين كان العيسى مسؤولاً عنها، فالكتب التي كان يخرجها العيسى بالكلمة كان البحرة يخرجها بالرسوم، لذلك كانت المسيرة مشتركة واهتمامهما بالأطفال واحد”.

بحرة كان يرى المعرفة وظواهر الثقافة والسياسة من عيني ابن الحياة

كان تشارك رسومه مع نصوص لكتاب كبار مثل سليمان العيسى وزكريا تامر وخيري الذهبي وعادل أبو شنب يجعل من كل رسمة مناسبة ثقافية بحد ذاتها، تدور عنها الأحاديث وتجري حولها النقاشات الأدبية والفنية في الوقت ذاته. فأصبحت لوحة البحرة أكثر من مجرد لوحة، وتناقلها الناس فيما بينهم، سواء في الصحيفة أو المجلة أو الكتاب أو القصاصة.

حين جاء عقد الثمانينات من القرن العشرين كان البحرة قد ابتعد كلياً عن الكاريكاتير، بعد أن ساهم في جميع الصحف السورية الناشئة وقتها، بنشر رسومه الساخرة، بما فيها مشاركته في تأسيس جريدتي الثورة وتشرين الرسميتين. لكن التهديدات التي أخذت تصله منذرة بإيذائه وإيذاء عائلته، دفعته إلى التفرغ لرسوم الأطفال وغيرها. بعد أن منعت أعماله وحوربت وحوصر حصاراً خانقاً، اضطر إلى العمل في الصحافة العربية في لبنان والخليج، مثل مجلة “سامر” وغيرها، فولدت شخصيات جديدة على يديه مثل عمو حسني، مازن، شنتير، والقرد ميمون.

خطوط الواقع

يروي ابنه الصيدلاني محمود البحرة، في مقال مؤثر، أن والده حين كلّف، بعد سنوات طويلة من التجاهل الرسمي، برسم لوحة جدارية عملاقة عن معركة حطين، انغمس في قراءة الكتب التاريخية، ودراسة الملابس والأزياء والهيئات المختلفة. وكذلك فعل قبل رسم لوحته “ميسلون”، ذات الـ25 متراً مربعاً، وسافر إلى المنطقة التي وقعت بها المعركة، ودرس الأرض والنباتات وألوان الحجارة. والتقى ببعض المحاربين القدامى الذين شاركوا في المعركة أو عايشوها.

أعمال البحرة لا تشبه أعمال رسامي الكاريكاتير، وليست مبسطة كأعمال أولئك الفنانين الذين يرسمون للأطفال. بل تبدو الأجسام فيها تفصيلية مشخصة، تشريحها واضح وعلمي ولا تساهل فيها في النسب والأبعاد والانفعالات. غنية بربيع من الألوان ينهمر مع كل زاوية يمكن أن ينظر إليها المرء منها.

كان ممتاز البحرة قريباً جداً من الحياة. ولم يكن يطل عليها من عيني المثقف الذي لا يعرف عنها شيئاً. بل كان يرى المعرفة وظواهر الثقافة والسياسة من عيني ابن الحياة. لذلك كان حقيقياً أكثر ممّا يحتمل. فآثر الابتعاد مبكراً عن الساحة، وأجبره مرض السكري على اختيار السكن في دار للعجزة في قلب دمشق حيث عاش سنواته الإحدى عشرة الأخيرة، هارباً من “الوحدة” كما كان يقول، معتزلاً الرسم تماماً، إلا من مشروع وحيد كان يعمل عليه مع الفنان المتميز فارس قره بيت.

فنانون تشكيليون سوريون وعرب، تعلموا رسم الأشياء لأول مرة على يد ممتاز البحرة

رسام الفلك والفيزياء

وحدته تلك جعلت من تجربته تجربة فريدة بشكل ما، لذلك كانت رسوماته الكوميكس للأعمال الدرامية السورية، أعمالاً متقدمة على ذائقة المتلقي والناقد معاً. فكان من الصعب أن تتكرر تجارب من هذا النوع، كان البحرة رائدها بجرأة. كان هو فريداً بشكل ما أيضاً، يقول عن نفسه “القراءة هي العمل الذي لا أستطيع أن أتركه أو أتخلّى عنه لأنني دونها أكره الحياة، أنا أحب الكتب العلمية فأنا مهتم بالفيزياء والفلك والكيمياء”.

كثيرون ممن أصبحوا فنانين تشكيليين سوريين وعربا، تعلموا رسم الأشياء لأول مرة على يد ممتاز البحرة. كان تقليدهم لخطوطه وتضاريس الجسد واليدين ومعالم الوجه عنده، مدرسة نهارية ليلية مفتوحة، لم تتوقف عن التأثير. مع أنه لم يهتم على الإطلاق بإقامة معارض شخصية، ولا بالرسم الزيتي المألوف.

رحل ممتاز البحرة قبل أيام. لم يختلف على نعيه السوريون هذه المرة، كما في كل مرة، فمكانته أكبر من الجدال، وأبعد من التحزّبات السياسية والمواقف. رغم أن عمل البحرة مع سليمان العيسى الذي اتخذ طابعًا توجيهياً للتأثير في الأجيال أيديولوجيا منذ نعومة أظافرهم، لم يكن عملاً حيادياً، غير أن البحرة وحده، كان مستقلاً أيما استقلال عن أيّ جهة هيمنت على المنبر الذي عمل فيه. ألم يقل إنه ولد في دمشق وأننا “نجد في دمشق أناساً من كلّ مكان وليس فقط من سوريا، وأنا نفسي مزيجٌ واختلاط فأخوالي شيعة أتراك، ووالدي سنّي منسوب في شجرة العائلة، وجدّتي من علويي أرناؤوط، فلمن سأتعصب؟ ولمن سأنسب نفسي؟”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر