الاثنين 27 فبراير/شباط 2017، العدد: 10556

الاثنين 27 فبراير/شباط 2017، العدد: 10556

إدمان الطفل على أفلام الكارتون يحوله شخصية كرتونية

  • لم تعد أفلام الرسوم المتحركة "الكارتون" مجرد وسيلة لتسلية الأطفال والتخلص من شغبهم داخل المنزل، بقدر ما أضحت أداة لتدمير نفسية الطفل وشخصيته لدرجة أنها قد تحوّله إلى شخصية كرتونية بكل صفاتها، حيث أضحى في بعض الأحيان لا يمانع في أن يتحدث على الطريقة الكرتونية بعدما تشبع بها وانخرط في أجوائها.

العرب أميرة فكري [نُشر في 2017/01/08، العدد: 10506، ص(21)]

تأثر حد الإدمان

كثيرا ما تدفع مشاغل الحياة وتعدد المهام الأمهات داخل المنزل إلى أن يتركن أبناءهن يجلسون لفترات طويلة لمشاهدة أفلام الكارتون، إما لإبعادهم عن النزول إلى الشارع وإما رغبة في إلهائهم، ما يؤدي إلى نتائج مستقبلية خطيرة، تنعكس على سلوكياتهم أو حتى على طريقة حديثهم نفسها.

وقالت نادية رزق، وهي معلمة مصرية تدرّس طلاب المرحلة الابتدائية بإحدى مدارس القاهرة، إن أحد الأطفال وصلت درجة إدمانه على أفلام الكارتون وتأثره بها سلبا إلى حد أنه أصبح يتحدث بنفس طريقة أبطال الكارتون، وأنها تجد صعوبة بالغة في التعامل معه، وكثيرا ما يتحدث لزملائه بطريقة “يا لك من شرير”، “كم أستمتع بهذا”، مع تغيير كبير في نبرات الصوت لتقليد بطل الكرتون.

وأضافت لـ“العرب” أنها حينما استدعت والدة الطفل لطلب استفسارها، فسّرت ذلك بأنها تترك ابنها أمام قناة مخصصة لأفلام الكارتون لساعات طويلة، حتى تنتهي من عملها خارج المنزل وتغلق عليه الباب، وتستغرق فترة متابعته للكارتون نحو 10 ساعات، ما حوّله إلى شخصية كرتونية حتى في التعامل معها داخل المنزل.

وأشارت الأم، بحسب ما نقلت عنها المعلمة، إلى أنها ذهبت بطفلها إلى أكثر من طبيب لمعالجته نفسيا وإعادته إلى طبيعته، لكن محاولاتها باءت بالفشل، لأن الأطباء أبلوغها بأن “شخصية بطل الكارتون طغت على تركيبة ابنها، وأصبح يتقمص هذه الشخصية”.

دراسات: الخطورة تكمن في أن الأطفال لا يتعاملون مع الكارتون على أنه نوع من الترفيه، بل يجعلون منه قدوتهم ويقلدون كل حركاته، ما قد يعرضهم لمخاطر شديدة

وبحسب بعض المتخصصين في تربية النشء، فإن زيادة نسب مشاهدة الطفل لأفلام الكارتون تؤثر سلبا على تأخر النطق وظهور عيوب فيه، وتصيبه بسلوكيات لا تتناسب مع سلوكيات البشر، لأنه يتقمص شخصية كرتونية عدوانية ويتأثر بها طوال حياته، أو الشخصية الضعيفة التي تتعرض طوال الوقت للإذلال والضرب دون إبداء اعتراض.

وقالت المعلمة، إنها شاهدت واقعة غريبة لذات الطفل داخل الفصل، فعندما طلب من زميله أن يعطيه “القلم” اشترط عليه زميله أن يقبّل قدميه، وبالفعل نزل الطفل الكرتوني، على حد وصفها، وقبّل قدمي زميله دون اعتراض، وهو ما بررته الأم أثناء استدعائها في المدرسة، بأنه يفعل ذلك في المنزل كلما طلب شيئا ورفض طلبه، فيقبّل قدمي، لأنه يرى ذلك وسيلة لاستعطاف الآخرين، مثلما يحدث ببعض الأفلام الكرتونية.

وفسّرت هالة حافظ، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، هذه الحالة بتأكيدها “أنها بدأت تنتشر بشدة خلال السنوات الأخيرة بين الأطفال، حيث تؤثر أفلام الكارتون الحديثة على لغة الطفل، وهذا لا يظهر سريعا لكن بشكل تراكمي، وقد يعيش الطفل في خيال غير واقعي من شدة تأثره بشخصية كرتونية بعينها”.

وأوضحت لـ”العرب” أن غياب الرقابة الأسرية على ما يشاهده الأطفال هذه الأفلام يقضي على شخصياتهم الأصلية لأنهم في مرحلة التكوين”، وأن اختيار أفلام تربوية هادفة تعلم الطفل الصفات النبيلة يحتاج إلى تحديد وقت معين لمشاهدة التلفزيون، مع تشديد الرقابة على ما يعرض للأطفال، وعدم الإكثار من الأفلام التي تعكس ثقافاتنا العربية.

وأكدت أن جلوس الطفل لمتابعة أفلام الكارتون أكثر من 5 ساعات يعني أنه “غير طبيعي وأصبح شخصية تدمن الشخصيات الكرتونية بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ويكون في حاجة إلى أن يعيش نفس الشخصية إذا ما وصل إعجابه بها إلى حد الإدمان، لدرجة أنه قد يمارس في حياته الطبيعية ما يشاهده ويعجب به في البطل الكرتوني المحبب إليه”.

وأثنت ولاء محمد، وهي أم لطفل يبلغ من العمر 5 سنوات من القاهرة، على كلام خبيرة علم النفس، وقالت لـ”العرب” إن ابنها يشاهد الكارتون في اليوم الواحد أكثر من 8 ساعات دون ملل، وتعاني من تقمصه لشخصية الكارتون حتى في طريقة كلامه وتحركاته داخل المنزل، حيث يتحدث مثلهم ويعتبر أن كل من يخالفه الرأي والحركة بمثابة “الشرير” الذي تستوجب محاربته.

ونبهت دراسات عديدة في هذا الشأن، إلى أن الخطورة تكمن في أن الأطفال لا يتعاملون مع الكارتون على أنه نوع من الترفيه، بل يجعلون منه قدوتهم ويقلدون كل حركاته، ما قد يعرضهم لمخاطر شديدة.

وحذّر تقرير صادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة من خطورة أفلام الكرتون على الأطفال، لسيطرتها على قلوبهم وعقلهم بشكل كبير ومخيف للغاية، ولقدرتها على تحطيم عقول الأطفال الأبرياء الذين لا يميّزون بين الصالح والطالح في ظل عصر الفضائيات.

اختيار أفلام تربوية هادفة تعلم الطفل الصفات النبيلة يحتاج إلى تحديد وقت معين لمشاهدة التلفزيون

وذهب الدكتور رضا فاضل، المتخصص في معالجة أمراض التخاطب، إلى أن الطفل الذي يشاهد الكارتون بكثرة في بداية سنوات الطفولة، ابتداء من عامين وحتى 5 أعوام، تزداد فرصة تأخر نمو اللغة عنده، وإن تحدث فإنه أحيانا ما يتكلم بنفس طريقة الكارتون، بعكس الطفل الذي يتعلم الكلام من أفراد أسرته، وتتشكل في وجدانه الطريقة الطبيعية للكلام.

وأضاف لـ”العرب” أن التأثير الأكبر لأفلام الكارتون يكون عند أطفال الطبقات الفقيرة أو الذين يعيشون في مناطق شعبية، حيث لا توجد وسائل أخرى للترفيه سوى الكارتون، بعكس أبناء الطبقات الراقية الذين يمثل الكارتون بالنسبة إليهم لعبة استثنائية ضمن العشرات من الألعاب التي يلجأون إليها للتسلية، فضلا عن هذه الطبقات تعي جيدا خطورة الكارتون على أطفالها. لم تعد أفلام الرسوم المتحركة “الكارتون” مجرد وسيلة لتسلية الأطفال والتخلص من شغبهم داخل المنزل، بقدر ما أضحت أداة لتدمير نفسية الطفل وشخصيته لدرجة أنها قد تحوّله إلى شخصية كرتونية بكل صفاتها، حيث أضحى في بعض الأحيان لا يمانع في أن يتحدث على الطريقة الكرتونية بعدما تشبع بها وانخرط في أجوائها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر