الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

ضرورة صياغة خطاب ديني جديد بدل تجديد الخطاب المتكلس

  • بالتزامن مع تصاعد العمليات الإرهابية، ومع توسّع وانتشار التيارات التكفيرية بمختلف مذاهبها، تتعالى الأصوات المنادية بإعلان ثورة تجديد الخطاب الديني، وهو مطلب تعدّدت مصادره، فكرية ودينية وسياسية، إلا أنه يمثّل إجماعا على الحاجة الملحّة لتنقية التراث الإسلامي من الشوائب التي أضحت تزوّد الإرهاب بمسوغاته الفكرية. لكن الملاحظ أن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ظلت دعوة ضبابية ولم ترتق على مستوى التحديد المنهجي ولم تتحوّل إلى خطة واضحة المعالم. الباحث المصري محمد عثمان الخشت، رسم في كتابه “نحو تأسيس عصر ديني جديد”، تصوّرا أكثر دقة ووضوحا بالدعوة إلى صياغة خطاب ديني جديد بدل تجديد الخطاب الديني القائم.

العرب محمد الحمامصي [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(13)]

الحاجة أكيدة إلى تثوير الخطاب الديني

محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الأديان، افتتح كتابه "نحو تأسيس عصر ديني جديد" بالتأكيد على أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلى “الإسلام المنسي”، لا الإسلام المزيّف الذي نعيشه، ورأى أن ذلك لا يمكن أن يكون دون تخليص الإسلام “من الموروثات الاجتماعية وقاع التراث” و”الرؤية الأحادية”، فالنظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة ضيّقة تزيّف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية.

ورأى أن المطلوب تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني، لأن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر وممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر، وإعداد كوادر واعية بصحيح الدين لا فقط بدراسة العلوم الشرعية بل بدراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية.

عمل الخشت في كتابه على مجموعة من المهام العاجلة شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل؛ تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلّب.

الكاتب حدّد لعملية التفكيك مجموعة من المراحلٍ؛ أوّلها الشك المنهجي، والثانية التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، والثالثة إزاحة المرجعيات الوهمية التي تكوّنت في قاع التراث. وقال “بعد التفكيك يأتي التأسيس وركنه الأول؛ تغيير طرق تفكير المسلمين، والثاني؛ تعليم جديد منتج لعقول مفتوحة وأسلوب حياة وطريقة عمل جديدة، والثالث تغيير رؤية العالم وتجديد المسلمين، والرابع العودة إلى الإسلام الحر “الإسلام المنسي”، والسادس نظام حكم يستوعب سنن التاريخ. ولن يتحقق كل هذا دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدى” تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة.

محمد عثمان الخشت: الأجدى هو إقامة مفاهيم جديدة بلغة العلوم الاجتماعية والإنسانية

نقطة البدء في افتتاح عصر ديني جديد كانت “الشك المنهجي”، حيث وضع الخشت شك إبراهيم عليه السلام في عقائد قومه في الأوثان والكواكب والنجوم وفق مراحل الاستدلال العقلي، أمام شك ديكارت، أمام سيادة أقوال الكهنة وتفسيرهم الأحادي للكتاب المقدس، وقال “هنا رفض إبراهيم عليه السلام إسكات العقل وهناك رفض ديكارت ورفاقه إسكات عقولهم، مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب ديني جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذي كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية”.

ورأى الخشت أن إبراهيم استخدم عقله فمرّ بمرحلة شك ضرورية امتدحها القرآن الكريم، ومنها وصل إلى رفض القديم، فالشك المنهجي ضروري للإيمان المنضبط، والشك المنهجي ضروري للعلم، والشك المنهجي ضروري لتأسيس خطاب ديني جديد في كل العصور. وليست وظيفة الفكر الخروج من الشك إلى اليقين فقط، ولكن أسمى وظائفه هي التفكير والتدبّر وإخضاع كل شيء للفحص.

وقال “تحرير الإيمان من الشك يستلزم رفض الوسطاء، وهنا يكمن أحد أهم مداخل تكوين خطاب ديني جديد، فلقد رفض إبراهيم سلطة الكهنة والمتحدثين باسم الألوهية، وهنا وجد الحقيقة الإلهية وجها لوجه، بعد أن وصل إلى حقيقة وجود الله عن طريق التفكير المنهجي والهداية الإلهية.

وأشار الخشت إلى عمى بعض المسلمين في عصرنا ليس عمى عين وإنما عمى ثقافة (النموذج الإدراكي)، وعمى الزاوية الواحدة التي ينظرون منها، وهي الموروثات الاجتماعية وزاوية المصدر الواحد للمعرفة، فهم يخلطون بين موروثاتهم الاجتماعية والتصور الإسلامي النقي والشامل ولذا تجدهم يعتقدون أنهم يحتكرون الفهم الصحيح والأوحد للإسلام ويبدون تعصبهم مع المختلفين معهم. مثل البدو الذين يضفون على الإسلام الطابع البدوي فلا يرون فيه إلا سلطة الرجال وعزل المرأة ودين الخشونة والمعادة للفن والحضارة.

أما العلمانيون فهو عندهم علاقة فقط بين العبد وربه، ولا شأن له بصلاح الحياة العامة ولا دخل له بأيّ شأن من شؤونها. والجماعات الماسونية والباطنية والسرية تضفي طابعها الخاص عليه؛ فتراه دين العمل السري والتقية، والرغبة في السيطرة والهيمنة. وهذا طابع بعض الجماعات الشيعية واليهودية في وقت الضعف، وانتقلت العدوى لبعض الجماعات المحسوبة على أهل السنة مثل الإخوان. وأصبحت سياسة التقية هي القاعدة بدل أن تكون استثناء “إلا أن تتقوا منهم تقاة”.

المطلوب تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني

أما الجهاديون فالإسلام عندهم هو دين حرب طوال الوقت، والتغيير عن طريق القوة والعنف، وتكفير الآخر. وهو دار السلام في مقابل دار الحرب. والصوفيون يرون فيه دين الزهد والتقشف والذكر والاعتزال عن الكفاح في الحياة. أما الكتلة الصامتة فالإسلام عندها هو دين المناسبات: رمضان والعيد ورجب وشعبان والمولد النبوي والحج.

ولفت الخشت إلى أن الفاسدين من كل فصيل، يخلطون بين العبادة الحق والعبادة المزيفة، وقال “لا يزال الكثيرون يقيمون علاقتهم مع الله من خلال الطقوس فقط، وليس من خلال الالتزام والمسؤولية، فسبيل الخلاص عندهم في الالتزام بالعبادات فقط، وليس في ممارسة العمل البناء لتنمية العالم، وهم يخلطون بين العبادة الحق التي تقيم علاقة فعالة بين الإنسان والله فتمده بدافع متجدد لممارسة دوره في إعادة بناء العالم وتنميته، وبين العبادة المزيفة التي يمارسها المرائون، أو التي يمارسها الذين يخدعون أنفسهم ويظنون أنهم يسترضون الله بأداء بعض العبادات ثم يسعون في الأرض فسادا.

وأضاف أن المتسيسين يخلطون بين معتقدهم الديني ومواقفهم السياسية ذات الطابع الإنساني المتغير. إن الإسلام يشتمل على أصول الحكم السياسي العادل. هذا شيء لا شك فيه، لكن الكارثة تكمن في أن يعتبر أيّ شخص أن مواقفه السياسية المتغيرة والمرتبطة بالمصالح والطبقة والجماعة التي ينتمي إليها هي تعبير عن الإسلام نفسه.

أما بعض رجال الدين الذين يتخذون الإسلام مهنة وليس رسالة؛ فقد حوّلوا الدين إلى مؤسسات ذات سلطة ومرجعية تحتكر مراكز الحقيقة وتركّز على الشعائر والمناسبات أكثر مما تركز على نقاء الضمير واتساق القول والفعل، وتركز على الشكل والحرف أكثر مما تركّز على الجوهر والعقل والإنسان، وتبرر للحكام قراراتهم ومصالحهم.

وأكد الخشت إن التعصّب حيلة فكرية مخادعة، لأن المتعصبين يتحدثون كما لو كان موقفهم قائما على براهين محكمة ونهائية. أي أنهم يخدعون غيرهم، ويخدعون أنفسهم، بأنهم أصحاب براهين محكمة مع أنّ براهينهم مليئة بجوانب الخلل، وما هذا إلا لأن الدوغمائية تنطوي على موقف منغلق غير قائم على التفكير التأملي.

وقال إن المنشأ العقلي للتطرف يكمن في طبيعة التفكير اللاعقلاني الذي يميّز العقول المغلقة. وتستلزم عملية التجديد أولا فضح المنهج ووضع الناس أمام حقيقة أنفسهم وحقيقة عقولهم، فالعقول مريضة ولذا لا يمكن أن تحلّ تناقضات الواقع ولا حتى تناقضات النفس، ولا يمكن أن تنتج علما ولا فكرا ولا حلولا لإشكاليات العصر.

وطالب الخشت بالمواجهة الشاملة “الإرهاب لا يحلّ فقط أمنيا وعسكريا، بل لا بد من الحلّ الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والسياسي، والتأكيد على أنّ القوة تواجه القوة “الإرهاب المتمترس″، والفكر يواجه الفكر “الإرهابي الطارئ”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر