الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

صورة الإسلام في الغرب وتعقيد الإنذارات الإرهابية

  • البحث في طرق وكيفيات صنع صورة الإسلام في الغرب لا ينبغي أن يكتفي بالربط السببي المباشر بين العمليات الإرهابية وأثرها على منزلة المسلمين في الغرب، بل يجب أن ينتبه أيضا إلى وجود ديناميكيات سياسية محلية غربية محكومة بقراءات فكرية وتاريخية، تسهم بدورها في تشكيل الصورة المرسومة اليوم. الربط بين الإسلام والتطرف وإن يلقى بعض الوجاهة بالاطلاع على ما يحتويه التراث العربي الإسلامي، إلا أنه أيضا ربط يتغذى من وضعيات سياسية غربية تلقى في ذلك الربط ما يخدم تصوراتها.

العرب  [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(13)]

صورة نمطية ناتجة عن ربط الإسلام بالإرهاب

أدّى التفسير الغربي للأحداث العالمية منذ السبعينات من القرن الماضي وما تلاها، إلى ربط تاريخي للإسلام بالتطرّف وعدم التسامح والعنف. شملت هذه الأحداث الثورة الإيرانية سنة 1979، والصراع العربي-الإسرائيلي، وحرب الخليج 1991-1990، والأنشطة الإرهابية المرتكبة باسم الإسلام في الشرق الأوسط والفلبين وإندونيسيا وفي غير تلك من الأماكن. ولقي ربط الإسلام بالتطرّف المزيد من الدعم بالصراعات الحديثة، التي وقعت في بلدان الشرق الأوسط، مما عزّز رُهاب الإسلام القائم بالفعل في البلد.

العلاقة بين المذاهب الإسلامية والعرب والاضطهاد لم تنشأ بعد حادثة 11 سبتمبر 2001، فللعنصرية المعادية للعرب في العالم الغربي نسب طويل. ففي التراث الاستشراقي الذي حلّله إدوارد سعيد، وفي التصوّر العنصري الغربي الشائع والمسيطر، تبدو الحدود بين العربي والمسلم شديدة التشويش. ولا شك في أن الخطاب السلبي ذا النزعة الجوهرية والمضلّل، تصاعد في أعقاب الحوادث التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية، لكن يجب أن نتذكّر أن حادثة 11 سبتمبر 2001 ما هي إلا نقطة جديدة في سلسلة متصلة من الخطاب الغربي.

سنة 1997، أبدى إدوارد سعيد قلقه من أن “التعميمات الخبيثة عن الإسلام أصبحت الشكل المقبول الأخير لتشويه سمعة ثقافة أجنبية في الغرب”. وقد تحدّى سعيد نظرية “صدام الحضارات” التي صاغها الباحث الأميركي صاموئيل هنتنغتون، حيث صوّر الإسلام باعتباره “كيانا واحدا متماسكا”.

ووفقا لسعيد، طوّر المستشرقون ووسائل الإعلام الغربية وصنّاع السياسات الغربيون تعميمات معادية للإسلام. ومن خلال الصور التي روّج لها المعلّقون، أُنكروا على الإسلام أي تنوّع في الخصائص والممارسات والمعتقدات، وقدّموا كل المسلمين والعرب باعتبارهم ذوي طبائع تحقيرية متأصّلة. ورأى سعيد أن لهذه التعميمات عواقب خطيرة، إذ تحرّض على كراهية المسلمين ومن يرتبط بالإسلام وعدم الثقة بهم، وتنشئ روابط بين الإسلام والأصولية.

اختزل المجتمع الإسلامي في صور نمطية تحقيرية تقدم تفسيرا مشوها للإسلام يرتبط بطريقة سببية بالأحداث الإرهابية

لكن تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن الأحداث العالمية الحديثة والسابقة التي تشمل المسلمين، وتحليلها في وسائل الإعلام الغربية، قد أثّرت في المشاعر المعادية للعرب والمسلمين، فإن مثل هذه المشاعر لا يمكن فهمها بهذه المصطلحات فحسب. فلأستراليا مثلا تاريخ طويل من الإقصاء الرسمي وغير الرسمي “للآخرين”. مع أن هناك أمورا تاريخية محدّدة، تُظهر لماذا هُمّشت فئات عرقية ودينية معيّنة.

اختُزل المجتمع الإسلامي في صور نمطية تحقيرية أحادية، تقدّم تفسيرا مشوّها للإسلام يرتبط بطريقة سببية، تقريبا، بالصراعات والأحداث الإرهابية المحلية والدولية. وقد واجه الأستراليون المسلمون- ولا يزالون- إنكار استقلاليتهم الفردية، وهويّاتهم الثقافية والدينية، بالإضافة إلى مكانهم في المجتمع الإنساني العالمي.

وأسهم صنّاع السياسة والمعلّقون، على حدٍّ سواء، في تقديم صورة إشكالية للأستراليين المسلمين، وسمحوا للصور النمطية المضلّلة بتحديد مجتمع مغاير إلى حدّ كبير. وفي حين أن الأحداث السياسية العالمية أسهمت، من دون شكّ، في تعزيز المشاعر المعادية للمسلمين في أستراليا وسواها، في أوروبا وأميركا الشمالية، فقد كان لعوامل تاريخية ومحلية محدّدة دور حاسم أيضا.

وتميّز المواقف السلبية من المسلمين الأستراليين الخطاب الاجتماعي والسياسي الراهن وتسيطر عليه. ولا بدّ من إعادة النظر في هذه الخصائص في ضوء العوامل المتداخلة، بما في ذلك التمثيل في وسائل الإعلام، والسياسات الاجتماعية (على شكل نسخة فلكلورية من التعدّدية الثقافية)، بالإضافة إلى التأثير العميق، وإن غير المُدرك، للخطاب “الاستشراقي” في تصوّرات الإسلام والشرق.

يشهد التصور الراهن للإسلام المزيد من التعقيد نتيجة “الإنذارات الإرهابية” شبه اليومية، التي يصدرها الوزراء الحكوميون، ومن يعلنون أنهم خبراء ومراسلو وسائل الإعلام. وكما لاحظ إدوارد سعيد قبل نحو ثلاثين سنة (1997)، فإن مجرّد استخدام مصطلح “إسلام” لشرح الإسلام والمسلمين أو إدانتهم من دون تمييز، أصبح تعميما مفرطا غير مسؤول، يثير المشاكل، وذا تأثير معاكس، ويصم على نحو متزايد مجتمعا بأكمله.

ويجب اعتبار هذه الشيطنة، في سياق مجتمع متنوّع ثقافيا أمرا غير مقبول. ووفقا للجناح اليميني أدّت التعدّدية الثقافية والفئات الثقافية المختلفة، لا سيما المسلمين والآسيويين، إلى تقويض الوحدة الثقافية. وفي هذا المناخ السياسي والاجتماعي، يصور المهاجرون المسلمين في أستراليا على نحو متزايد بأنهم تهديد للانسجام الاجتماعي، وخطر محتمل على الأمن الوطني، بل إن النقاشات مستمرّة بشأن فشل التعدّدية الثقافية، وصعود الفئات اليمينية المتطرّفة.

خلاصة بحث فتحي منصوري “هجرة المسلمين إلى أستراليا”، ضمن الكتاب 122 (فبراير 2017) “المسلمون في أستراليا” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر