الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

المؤتمرات الدينية في مصر استعراض للقوة على حساب التجديد

  • التصوّرات القائلة بأنّ مواجهة الإرهاب يجب أن تأخذ في الاعتبار المجالات الفكرية والتعليمية والأدبية، هي تصوّرات لا تخلو من وجاهة بل تتفق مع الدعوات الرسمية وغير الرسمية المنادية بإطلاق عملية شاملة للتجديد الديني. في هذا الصدد انتظمت في السنوات الأخيرة، العشرات من اللقاءات والفعاليات التي أثارت هذا المبحث، لكن الملاحظ أنّ هذه المؤتمرات تحوّلت إلى مناسبات للتنافس والصراع بين المؤسسات الدينية، ما أفقد هذه الفعاليات نجاعتها والمؤسسات الدينية مصداقيتها، وما عطل أيضا كل إمكانيات الحشد لعملية التجديد الديني.

العرب أحمد حافظ [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(13)]

مؤتمرات لم تبرح فضاء الشعارات

يبدو أنّ الصراع بين المؤسسات الدينية الرسمية في مصر، الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء، حول تطوير الخطاب الديني، وسعي كل منها إلى إظهار أنها الأجدر بقيادة الملف، انعكس على طبيعة المؤتمرات الدينية التي تقام بين حين وآخر، وكانت كل جهة تردّ على الأخرى بطريقتها الخاصة، بينما يخرج كل مؤتمر بمجموعة من التوصيات غالبا لا تنفّذ على الأرض.

خلال الأسبوعين الماضيين فقط، أقيمت ثلاثة مؤتمرات، اثنان للأزهر وواحد للأوقاف، وجميعها دارت في فلك واحد، وإما البحث عن طريقة لتجديد الخطاب الديني، أو وضع حلّ لمواجهة تمدد الفكر التكفيري والتشدد الديني ومحاربة الإرهاب، ولم تخلُ المؤتمرات من إبراز الصراع القائم بين المؤسستين.

المؤتمر الأول كان نهاية شهر فبراير الماضي أقامه الأزهر حول تعزيز المواطنة كأساس لمواجهة التطرف، ولم يتم تخصيص كلمة لمختار جمعة وزير الأوقاف خلال المؤتمر برغم حضوره نيابة عن شريف إسماعيل رئيس الوزراء، ما أثار غضب الوزير وأعاد إلى المشهد الصراع التقليدي بين الأزهر والأوقاف حول العديد من القضايا الدينية ومن له الكلمة العليا فيها.

لم تصمت الأوقاف على تجاهل الأزهر لوزيرها، فأقامت مؤتمرًا للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الأسبوع الماضي، حول دور القادة وصانعي القرار في مواجهة الإرهاب، ورفضت تخصيص كلمة لأحمد الطيب شيخ الأزهر، ووجهت إليه الدعوى للحضور فقط، ما دفعه للرد على ذلك بتجاهل المشاركة في المؤتمر ولم يرسل كالمعتاد وكيله عباس شومان.

تكرر الأمر، أول أمس الأربعاء، بعدما عقد الأزهر مؤتمره الدولي الثاني خلال أسبوعين فقط، حول تجديد الخطاب الديني بين دقة الفهم وتصحيح المفاهيم، الذي نظمته كلية الدراسات الإسلامية، ولم يدع إليه وزير الأوقاف، بل إن الطيب قال خلال كلمته التي ألقاها نيابة عنه وكيله عباس شومان إن “الأزهر ماضٍ في استعادة الخطاب الديني من خاطفيه على الموائد الدعوية”.

تيارات الإخوان والدعوة السلفية وأنصار السنة استغلت صراع المؤسسات الدينية الرسمية وعادت لأنشطتها

واستخدم الطيب المؤتمر ذاته منصة للهجوم على من ينتقدون أو يحاولون وضع إطار جديد لإصلاحه، حينما ذكر أن “أزمة الخطاب الديني ليست في مناهج الأزهر، إنما تكمن في الأداء المنفلت الذي يمارسه البعض والتطفل على الموائد الدعوية من قبل البعض من غير المتخصصين وأن الأزهر ماض في طريقه ولا يلتفت لمن يحاولون النيل منه والعبث بقوانينه”.

ويبدو حديث شيخ الأزهر موجهًا بالأساس إلى أعضاء مجلس النواب الذين يحاولون تعديل قانون الأزهر، بما يسمح لرئيس الجمهورية إضافة علماء من خارج المجال الديني لعضوية هيئة كبار العلماء يكون لهم صلة بعلم النفس والاجتماع والثقافة، بدلًا من اقتصار الهيئة على علماء الدين فقط، مع تحديد مدة لولاية شيخ الأزهر نفسه بعدها يجري تغييره.

مصادر على صلة بالمؤسسات الدينية، قالت لـ“العرب” إن الحضور في المؤتمرات من علماء الدول الإسلامية لاحظوا غياب كل من الطرفين أحمد الطيب ومختار جمعة عن المؤتمرات التي يقيمها الطرف الآخر، لدرجة أنهم أشاروا في بعض اللقاءات الجانبية إلى أن المؤتمرات التي تعقد هنا وهناك تبدو متقاربة في الفكرة والمضمون.

ويرى مراقبون أن تحوّل المؤتمرات الدينية إلى استعراض للعضلات بين الأزهر والأوقاف يفرغها من مضمونها ويجعل قضية تجديد الخطاب الديني ومواجهة التطرف والإرهاب قابعة عند نقطة واحدة لا تتحرك، لا سيما وأن كل طرف يستغل مؤتمره للدفاع عن نفسه من الاتهامات الموجهة إليه بالتقصير في ملف التطرف وتجديد الخطاب.

ويقول هؤلاء إن المؤسسات الدينية أصبحت تتسارع لإثبات نفسها كقوة دينية أمام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يمكن الاعتماد عليها في مسألة تجديد الخطاب الديني تحديدًا، باعتبار أن هذا الملف يرعاه رئيس الدولة بشكل رسمي، وبالتالي فإنهم يستخدمون المؤتمرات المتكررة أداة لإظهار قوتهم في حشد علماء الدول الإسلامية إلى مصر لمناقشة هذا الملف.

وتحدث باحثون في الشأن الديني لـ“العرب” حول أن أكثرية المؤتمرات التي أقيمت منذ دعوة السيسي إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني قبل عامين، وبلغت 21 مؤتمرًا، تدور جميعها في فلك واحد تقريبًا، وكل مؤسسة دينية تريد أن تفرض رؤيتها على هذا الملف وتتهم الآخر بالتسبب في تنامي الفكر المتطرف والمتشدد.

المؤتمرات الدينية أصبحت السبيل الأمثل لضرب كل مؤسسة للأخرى، فهي لم تفد القضايا الدينية في شيء، ولم تنفذ توصياتها على أرض الواقع

ويقول هؤلاء الباحثون إن المؤتمرات الدينية وإن كانت تركز على قضايا مصيرية وضرورية، إلا أن الجهات التي تنظمها تبدو عاجزة عن إصلاح نفسها أولًا قبل أن تتوجه بإصلاح الأطراف البعيدة عنها ما يشكك في مصداقيتها أمام المجتمع، حيث أن كل مؤسسة لا ترى السلبيات الموجودة بداخلها، التي إن جرى مواجهتها بشجاعة سوف يتم البدء في عملية التجديد على الأرض.

الأزهر يدافع في كل مؤتمراته عن مناهجه التي يدرّسها للطلاب وينفي عنها (المناهج) تهمة تخريج متشددين دينيا وفكريًا، ويدافع عنها بدعوى الحفاظ على التراث، على الرغم من أن البعض من العمليات الإرهابية، وأهمها اغتيال النائب العام المصري عبدالمجيد محمود كانت على يد خريجين من الأزهر، حتى أن اللجنة الدينية في مجلس النواب ترى ضرورة تنقيح هذه المناهج لكن الأزهر يدافع عنها باستماتة في كل مؤتمراته.

أما وزارة الأوقاف، فهي ترى أن رؤيتها بشأن طريقة إدارة المساجد وفرض خطبة موحدة لموضوع واحد يجري تناوله على مستوى المحافظات كل يوم جمعة، هو السبيل لمنع استغلال المنابر في قضايا سياسية وأن ذلك هو نقطة البداية في التجديد، برغم تحذير الكثير من علماء الدين والوسطيين من أنّ ذلك سوف يجعل البعض يلجأ إلى منابر التيارات السلفية بعدما جرى تفريغ الخطبة في مساجد الأوقاف من مضمونها.

في حين أنّ دار الإفتاء المصرية، التي تحاول إرضاء الأزهر والأوقاف وتقف على مسافة واحدة من الطرفين لتجنب أن تحسب على مؤسسة بعينها، فإنها تريد من خلال مؤتمراتها تقديم نوع جديد من التجديد من خلال تشكيل لجان فتاوى بالمحافظات المصرية أحيانا ما تتعارض فتاواها مع فتاوى الأزهر ودار الإفتاء نفسها.

وقال أحمد صابر، الباحث في الشأن الديني لـ“العرب” إن المؤتمرات الدينية أصبحت السبيل الأمثل لضرب كل مؤسسة للأخرى، فهي لم تفد القضايا الدينية في شيء، ولم تنفذ توصياتها على أرض الواقع، والخطاب الديني لن يتجدد بمثل هذه الجلسات الدورية، بقدر ما يبدأ من تغيير الوجوه الحالية وسياساتها وأن تبدأ كل واحدة بنفسها أولًا بدلًا من استخدام المنصات لضرب نفوذ المؤسسة الأخرى.

وأضاف أن الرئيس السيسي ملّ من هذا الصراع لكنه خرج من إطار تبادل الاتهامات إلى استسهال المؤتمرات، ما دفع البرلمان مؤخرًا للتحرك نحو البدء في التجديد من خلال إطار تشريعي يُعيد هيكلة المؤسسات الدينية، فهو الآن ماضٍ في تعديل قانون الأزهر، ويسعى إلى إعادة ضبط مسار دار الإفتاء بتنظيم أمورها الداخلية وتحديد أهدافها، مشيرًا إلى اتحاد المؤسسات الدينية على إطار واحد للتجديد سيكون البداية الحقيقة للمضي لمواجهة الفكر الديني المتشدد.

ويرى متابعون أنّ فرص الوصول إلى بصيص أمل في مسألة تجديد الخطاب الديني بعيدة المنال في ظل هذه الأجواء الخلافية، بعدما استغل أصحاب المرجعيات المختلفة، كالإخوان والدعوة السلفية وأنصار السنة والتبليغ والدعوة، صراع المؤسسات الدينية الرسمية وعادوا لأنشطتهم في البعض من زوايا المساجد التي أغلقتها الأوقاف منذ عام 2013.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر