الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

منتدى الوسطية.. إشكاليات العصر بفقه القرون الوسطى

  • تناقض صارخ تقع فيه بعض المؤسسات الدينية حين تعلن أنها تحارب الإرهاب والتشدد والتطرف، وفي الآن نفسه تشيع خطابا يستعير المعجم الفقهي نفسه الذي تنهل منه تيارات التطرف. محاربة الإرهب تقتضي أولا القطع مع أدبياته ومبارحة الفضاء الفقهي والفكري الذي يتحرك فيه. مفارقة وقع فيها المنتدى العالمي للوسطية في مؤتمره الأخير “المسلمون والعالم: من المأزق إلى المخرج”.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(13)]

من المأزق إلى المأزق

دأب الفقه الإسلامي التقليدي على تقسيم العالم إلى دارين، دار حرب ودار إسلام، وهناك من زاد قسما ثالثا سمّاه دار العهد أو دار الأمان. وعرف الفقهاء دار الإسلام بأنها الدار التي تقام فيها الشريعة الإسلامية وتطبق فيها الحدود، ودار الحرب بأنها تلك التي يسود فيها الكفر، أما دار العهد أو الأمان فهي الدار التي دخلت في معاهدة صلح أو أمان مع دار الإسلام، أي مع المسلمين. وهناك تحوّل في كل من دار الحرب ودار العهد، فيمكن للأولى أن تصبح دار عهد، كما يمكن للثانية أن تصبح دار حرب، بحسب نمط العلاقة بينهما وبين المسلمين.

ورغم أن هذا التقسيم ليس مجمعا عليه، إلا أنه انتشر على نطاق واسع بسبب هيمنة تيار فقهي معيّن، لم يخضع للتمحيص والنقد بما يكفي. ولكن أن ينتشر هذا التقسيم في الماضي، بسبب الظروف التاريخية والعالمية، يكاد يكون أمرا مفهوما تجاوزا، أما أن يتم بعثه اليوم فهذا ما يحتاج إلى تدليل.

وقد اجتمع في الأردن هذا الأسبوع جماعة من العلماء والفقهاء، جلّهم محسوب على التيار الإسلامي، ضمن إطار المنتدى العالمي للوسطية، في مؤتمر دولي تحت عنوان “المسلمون والعالم: من المأزق إلى المخرج”. وكان من المتوقع، كما أوحى بذلك العنوان، أن يصدر عن المؤتمر توصيات تذهب في اتجاه تعزيز الوسطية وإخراج المسلمين في علاقتهم بالعالم من المأزق، إلا أن المؤتمر بدل ذلك أخرج المسلمين من مأزق وأدخلهم في آخر.

نظرة سريعة إلى البيان الختامي تظهر لنا التخبط والتناقض الذي سقط فيه كاتبوه. فالبيان يؤكد على “أهمية الاتفاق على كيفية منهجية التعامل مع الواقع ولا سيما في خطابنا للآخرين”، و”تأكيد أن الأمة الإسلامية وشعوب الأرض جيران على كوكب واحد، وأن الأصل في العلاقة هو السلم والتعاون”، ويرفض مفهوم الجهاد الذي يعني القتال، حيث ورد فيه “بيان حقيقة معنى الجهاد في الإسلام من حيث هو الجلد والمثابرة في مواجهة التحديات والدفاع عن الدين والتمسك به بقوة، ورفع شعاره عاليا وتحقيق قيمه في واقع الحياة الإنسانية”، ولكنه مباشرة بعد ذلك يقول “تأكيد القسمة الثلاثية للعالم على أساس دار إسلام ودار حرب ودار معاهدة أو دار صلح وعهد، وهي قسمة واقعية ومرنة وتمهّد لبناء علاقات إيجابية بناءة”.

مازال الفقه الإسلامي يحتاج إلى عقول رشيدة لا إلى أقلام تدس رؤوسها في مداد القرون الوسطى لتكتب به فقه العصر

ولسائل أن يسأل: كيف يمكن أن يكون المسلمون وشعوب الأرض جيرانا والأصل بينهم التعاون، وفي نفس الوقت تكون القسمة الثلاثية هي دار الحرب ودار الإسلام ودار العهد؟ ألا يعني التأكيد على دار الحرب أن المسألة هي مسألة قتال وأن الصراع هو الأصل وليس التعاون والسلم، على عكس ما جاء في إحدى التوصيات المذكورة؟ ما الفرق بين أدبيات تنظيم داعش التي تؤمن بهذا التقسيم الثلاثي للعالم، وبين البيان الختامي للمنتدى العالمي للوسطية؟

ينتمي التقسيم الثلاثي للعالم إلى فقه قتالي يرى أنّ أصل العلاقة ما بين المسلمين وبين غيرهم هي الحرب، وهو نفس الفقه الذي يرى وجوب قتال الآخرين- في دار الحرب- حتى يسلموا، فإن لم يسلموا كان مصيرهم القتل، استنادا إلى تفسير مقلوب للحديث النبوي المعروف “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله”، وإلا ما معنى التنصيص على دار الحرب في هذا الفقه إذا لم يكن هناك قتال مبرر ومشروع؟

كان على منتدى الوسطية، الذي نعتقد بأنه بهذا البيان انحرف عن اسمه، أن يكون أكثر رفضا لهذا التقسيم الثلاثي لكي يظهر جديته في الدفاع عن سماحة الإسلام وعن مبدأ التعاون والسلم بين الشعوب، لا أن يمنحه المشروعية.

فهذا التقسيم ليس مقدّسا في جميع الأحوال، كما أنه مخالف لروح الدين الإسلامي الذي ينصّ على التعاون والتعارف بين الشعوب، وليس على الخصام والحروب.

وقد نقل فخر الدين الرازي في تفسيره “مفاتيح الغيب” آراء لعلماء وفقهاء يخالفون هذا التقسيم ويقولون بتقسيم مزدوج: أمة دعوة وأمة إجابة. فأمة الإجابة هي الأمة التي تلقت الدعوة فاستجابت لها وهي الأمة الإسلامية، وأمة الدعوة فهي التي تحتاج إلى دعوتها للإسلام لتصبح أمة إجابة وهي الشعوب الأخرى، وبذلك نزع هذا التعريف نزعة التطرف الموجودة في التقسيم الثلاثي.

المشكلة التي لم يعرها بيان منتدى الوسطية أيّ اهتمام تتعلق بموقع المسلمين في البلدان غير المسلمة من هذا التقسيم الثلاثي، ذلك أن هذا التقسيم يضع مسلمي الغرب وأوروبا في مأزق حقيقي، وهو الذي عقد المؤتمر تحت عنوان “المسلمون والعالم: من المأزق إلى المخرج”. فهل مسلمو أوروبا في دار حرب أم في دار إسلام أم في دار عهد؟ وكيف يمكن أن ينظر الأوروبيون إلى هؤلاء المسلمين بين ظهرانيهم، وهم يرونهم ينتسبون إلى فقه يقسم العالم إلى دار حرب ودار إسلام؟

مازال الفقه الإسلامي، للأسف الشديد، يحتاج إلى عقول رشيدة لا إلى أقلام تدسّ رؤوسها في مداد القرون الوسطى لتكتب به فقه العصر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر