الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الأخوة الخفية.. بين الأصولية العنيفة والأصولية المواربة

تعجرف الأصوليين الجهاديين وما ارتكبوه من مناكر سلّط الأضواء على ما كانت تصنعه ما يسمّى وزارات الدين في بعض البلدان والتي هي في الأصل وزارات أسلمة.

العرب حميد زناز [نُشر في 2017/03/20، العدد: 10577، ص(13)]

لا حدود حقيقية بين الإخوان وتنظيمات الجهاد

قبل وصول الإسلاميين إلى أوج هياجهم ومحاولتهم الانقضاض على الحكم بالقوة بداية الثمانينات من القرن الماضي في الكثير من البلدان العربية، كانت الأسلمة سائرة بخطى سريعة وثابتة تحت رعاية الإخوان المسلمين، بل كانت ولازالت تدرّس في المدارس والجامعات وحتى في دور الحضانة دون أن تثير رد فعل أحد.

كادت هذه الأصولية الإخوانية أن تصبح ثقافة عامة ومشروعا سياسيا أوحد دون أن ينتبه الناس لخطورتها ولا للمستقبل الكالح الذي كانت تحضّره لهم.

ولكن تسرّع الجهاديين، تلامذة الإخوان، وعدم صبرهم على الانتظار حالا دون اقتطاف الإخوان لسلطة نضجت شيئا فشيئا وحان موعد سقوطها يانعة في سلتهم.

لولا تعجرف الأصوليين الجهاديين وما ارتكبوه من مناكر لما سلّط أحد الأضواء على ما كانت تصنعه ما يسمّى وزارات الدين في بعض البلدان والتي هي في الأصل وزارات أسلمة تغلغل بين دواليبها الإخوان بمكر وباتوا يسيّرونها خفية.

عملا بحرية العقيدة وحقوق الإنسان كان الغربيون أيضا غافلين عن القنابل الموقوتة التي كانت تُنصّب في بلدانهم عن طريق تمويل الجمعيات الإسلامية وبناء المساجد وغيرها من الحيل التي تستّرت تحتها جماعة الإخوان.

ولكن لحسن الحظ لكل أصولية أصوليون يفضحونها. لقد قدم هؤلاء خدمة للعلمانية لم يكن يحلم بها المدافعون عنها أنفسهم إذ بيّنوا على الأرض، عبر طالبان وملالي إيران وتجربة السودان وعن طريق الكتابة والظهور على الفضائيات، نموذج الدولة الدينية التي ينبغي أن يتجنبها البشر بما هم بشر، لأن هذه “الدولة الدينية” كيان يتعارض جملة وتفصيلا مع المواطنة وأبسط حقوق الإنسان، بل مع أبسط حسّ سليم.

لقد نبّه دعاة الدولة الإسلامية المتلهفون لحصد ما زرعته السلطة ذاتها القوم الغافلين إلى الأضرار الجسيمة التي تلحق بهم جراء تطبيق بعض توجيهات ما يسمّى شريعة في الدول العربية ما قبل الدولة الأصولية، كالطلاق وما يلحق المطلقات من حيف نتيجته.. إلخ.

ليس الأمر سوى انتقال مشروع الدولة الدينية من أيدي أصولية «تقووية» رسمية، إلى أصولية فجة مغالبة

لقد سمع الناس من أفواه المتأسلمين أنفسهم ما يأمل هؤلاء بكل أطيافهم في ارتكابه وتأصيله بالعنف والخديعة وبكل الطرق من أجل إقامة تلك الدولة الموعودة.

وإن اقتنع اليوم أغلب الإسلاميين باستحالة إقامة الدولة الدينية عن طريق العنف، فإنهم لا يزالون يتوهمون بإمكانية إقامتها بـ”التي هي أحسن” ولو لا تقاعس بعض من أسموا أنفسهم بـ”الإصلاحيين”، لكانوا قد بدأوا حدادهم وقبروا موضوع الدولة اللاهوتية إلى الأبد.

لقد انهزم الأصوليون هزيمة عسكرية نكراء في الجزائر مثلا، ولكن السلطة تحاول بغباء بمباركة بعض مثقفيها أسلمة الحياة في البلد إرضاء للظلامية، وقد تتحوّل هزيمتها العسكرية تلك إلى نصر سياسي مستقبلي كاسح إذا لم يتدارك الحداثيون في السلطة والمجتمع المدني الأمر.

ولئن تظاهر ما أطلق عليهم “المعتدلون” (حكومة ومعارضة وما بينهما) بعدم اتفاقهم مع كل ما يدعو إليه الإسلاميون الحركيون، فليس لأنهم يختلفون مع أيديولوجيتهم وإنما لأن هؤلاء يفسدون عليهم عملية الأسلمة التي ما فتئوا يقومون بها بهدوء منذ سنوات. لقد عطل الأصوليون فقط مشروعهم الذي كان يهدف إلى إيصال الأسلمة إلى نقطة اللارجوع.

ليس الأمر سوى انتقال مشروع الدولة الدينية من أيدي أصولية “تقووية” رسمية إلى أصولية فجّة مغالبة. ولا يجب أن ينخدع أنصار الدولة المدنية بما يسمّى مناهضة الغلو والأفكار المتطرفة وغيرها من الشعارات التي يرفعها اليوم دعاة قضوا نصف أعمارهم في مطاردة العقل والدعوة لسفك الدماء.

وإذ نراهم اليوم يجتهدون في تسويق أصولية بوجه إنساني، فالمسألة بالنسبة إلى هؤلاء الدعاة “التائبين” ليست مجابهة الإسلاميين الحركيين، وإنما الوقوف أمامهم كي لا يظهروا عورات الأيديولوجية الإسلامية ذاتها.

وفي هذا السياق وجّه عبدالرحمن شيبان، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ووزير الشؤون الدينية الأسبق العديد من مواطنيه لترسيخ قيم لاإنسانية ولكن دون إثارة انتباه العالم المتحضر وكأنه يعلّمهم “الأصللة” الناعمة، إذ وقف ضد دعوة وجهها نشطاء حقوقيون جزائريون من أجل سن قانون يشدد عقوبة ضرب الزوجات في الجزائر.

ولم يكتف بذلك بل أضاف أن المرأة تتلذذ بضرب الزوج لها، ولكن من الناحية السياسية يقول الشيخ لا يجوز ضرب المرأة لأن ذلك سيشوه الإسلام. وكأنه يقول “اضربوهنّ بعيدا عن عيون الكفار المتربّصة!”.

أما في إيران فبفضل تصرفات الملالي فهِم الإيرانيون المسألة جيدا وهم في أغلبهم اليوم لا يؤمنون بالدولة الإسلامية فحسب، بل هم من أكثر الناس بعدا عن التديّن.

ومع الأيام ستنتبه الأغلبية في العالم العربي، التي مازالت تجد فرقا بين الأصولية العنيفة وأختها المواربة، إلى أنهما أختان لا بالرضاعة فقط بل بالنسب. ولا فرق بينهما إلا في الوسيلة. فلا فرق بين داعش والإخوان إلا في الوسيلة، أما الأهداف فواحدة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر