الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الأزهر والحرب على الإرهاب: انحناء للعاصفة أم استرجاع للدور الغائب

  • مع كل عملية إرهابية تحدث خاصة في مصر تتجه الأنظار إلى مؤسسة الأزهر، لتلمس مساهمة هذه المؤسسة في الحد من الإرهاب بما يتيحها له موقعها الديني أي تكذيب ودحض المنطلقات الفكرية لتنظيمات التشدد. تواتر العمليات الإرهابية، وتأخر الأزهر عن الاضطلاع بدوره الديني والفكري في سحب البساط من التنظيمات الإرهابية، فضلا عن الدعوة الرسمية لوجوب البدء في تجديد الخطاب الديني، عوامل متضافرة وضعت الأزهر في مأزق التأخر عن الاضطلاع بدوره، ولعل قرار إحداث مجلس أعلى لمواجهة الإرهاب يمثل إقرارا رسميا بذلك.

العرب أحمد حافظ [نُشر في 2017/04/17، العدد: 10605، ص(13)]

الأزهر أمام ضرورة فتح الأبواب أمام التجديد

اضطر الأزهر إلى تغيير لهجة خطابه بشأن ما يتعلق بمسألة تكفير المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية داعش، بعد 3 سنوات من تمسكه بموقف ثابت لا يتزحزح عنه، يقوم على أن “الأزهر لا يمكن أن يكفّر التنظيم”، لكنه بدأ حاليًا رحلة تبديل مواقفه، في محاولة لتخفيف الضغوط الواقعة عليه وامتصاص الغضب السياسي والمجتمعي والإعلامي المتصاعد ضده.

في هذا السياق قال محمد زكي، أمين عام اللجنة العليا للدعوة بالأزهر الشريف، مساء الجمعة، إن المنتحر التابع لتنظيم متطرف (مثل داعش) يكون كافرًا إذا استحل ما يقوم به، مشدّدًا على أن الأزهر لا يحكُمُ بالكفر إلا بضوابط وشروط.

وكان أمين الدعوة بالأزهر يجيب عن سؤال صحافي حول إمكانية تكفير الإرهابيين اللذين ينتميان إلى داعش وفجّرا نفسيهما في كنيستي طنطا أو الإسكندرية أم لا؟ وقال “إذا استحل القتل كفر، وإذا ظّن أن هذا العمل شرعي كفر، وإذا اعتقد هذا ومات عليه فقد كفر بما أنزل على النبي محمد”.

يشار إلى أن مؤسسة الأزهر كانت قد رفضت بشكل رسمي في بيان صدر في 11 ديسمبر 2014، تكفير المنتمين إلى تنظيم داعش وتتجنب الخوض في مسألة التكفير، وتكتفي بإيحاءات لفظية، تنطوي على هروب من المواجهة الحقيقية.

وقالت المؤسسة آنذاك “لا يمكن تكفير مؤمن مهما عظمت ذنوبه”، ومنذ ذلك الحين بدأ سجال كبير يتشعب ويتكرّر حول هذا الموقف وخلفياته، لا سيما أن علماءه البارزين وحتى شيخه أحمد الطيب نفسه، لم ينجحوا في تقديم براهين مقنعة للمجتمع والساسة حول سبب التمسك بموقف بدا لكثيرين أنه “متحجر”.

ويرى مراقبون أن التغيّر في خطاب الأزهر المتعلق بالجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية، والليونة الواضحة في إمكانية تكفير أفعالهم وإن لم تكن موجهة مباشرة لهذه التنظيمات، تستهدف تبرئة الأزهر من تهمة مباركة الأفعال الإرهابية، وحتى إن كانت متأخرة لكنها توحي بالمزيد من الانحناء أمام العاصفة التي أضحت تطارده من اتجاهات مختلفة.

صمت الأزهر وضعه كمتهم بدعم داعش بعدما رفض شيخه أحمد الطيب مرات عديدة دعوات مفكرين ومثقفين لتكفير التنظيم وأفعاله

ويقول هؤلاء، إن صمت الأزهر وضعه كمتهم بدعم تنظيم داعش بعدما رفض شيخه أحمد الطيب مرات عديدة دعوات مفكرين ومثقفين ليقدم على خطوة تكفير التنظيم وأفعاله التي تستحل دماء الأبرياء، وفي كل مرة كان يرد بأن “الأزهر ليس جهة تكفير”، لكنه أمام التهديد بتحجيم دوره ووضعه في خندق ديني ضيق كان مضطرًا للتراجع عن موقفه نسبيًا، أملا في وقف الهجمة الشرسة عليه.

واعتبرت دوائر سياسية في القاهرة أن خروج أمين عام الدعوة بالأزهر، وهو منصب ديني بارز بهذه المؤسسة الدينية، برأي يناقض مواقف الطيب في مسألة التفكير، محاولة لتهدئة الناقمين على الأزهر وعدم استبعاد التعاطي بشكل مختلف مع خطاب التطرف في مصر والعالم، وإرسال رسائل طمأنة بأن هناك اتجاها لتبدل المواقف درءًا للمزيد من الشبهات حول الأزهر والتي وصلت حد اتهامه بـ”التواطؤ”.

ويخشى الشيخ أحمد الطيب وهيئة كبار العلماء أن تصل مساعي مؤسسة الرئاسة والبرلمان لتقليص صلاحيات الأزهر إلى درجة التهميش الكامل لدوره وعدم الاعتماد عليه تماما في مواجهة تمدد التطرف في المجتمع، الأمر الذي يدفعه إلى الإقدام على خطوات أكثر جرأة عن ذي قبل، يستطيع من خلالها استمرار البقاء في المشهد العام، ولو جاء ذلك على حساب تبني مواقف تتناقض مع آرائه السابقة.

وقال عضو بارز في هيئة كبار العلماء لـ”العرب” إنهم يدركون خطورة المرحلة الراهنة على الأزهر، وعلى مكانته في المجتمع المحلي والدولي، ومختلف الآراء بالهيئة تتجه نحو ضرورة التهدئة ومسايرة الأمور لارتفاع لهجة التصعيد ضد الأزهر من مختلف الأطراف لأنه لن يستطيع وحده الوقوف في وجه الانتقادات الموجهة إليه حتى من داخله.

وأضاف الشيخ (رفض ذكر اسمه) أن الأزهر يريد النأي بنفسه عن معترك السياسة بشتى الطرق، ويخشى أن يكفّر داعش مباشرة فيتحوّل مع الوقت إلى جهة تكفير لليبراليين وروائيين ومثقفين وكتّاب، ثم ينتهي دوره الديني والدعوي إلى الأبد، وهذا ما يتمناه البعض، وتدركه هيئة العلماء جيدًا.

ومن المقرر أن يُعقد اجتماع هيئة كبار العلماء نهاية الأسبوع الجاري لحسم العديد من الملفات والقضايا الدينية الشائكة والخروج بآراء فقهية ترد على كل ما يثار على الساحتين الدينية والسياسية وعلى رأسها رفض تكفير داعش واستهداف الكنائس.

خوض الأزهر في قضايا متعلقة بتنظيم داعش، محاولة لفرملة سحب بساط تجديد الخطاب الديني من تحت أقدامه

وعلمت “العرب” أن اجتماع الهيئة سوف يحسم الرأي الديني والحكم الشرعي في استهداف دُور العبادة وقيام الإنسان بتنفيذ عمليات انتحارية تستهدف الآخرين مهما كانت ديانتهم، فضلا عن حسم قضايا فقهية ظلت معلّقة لسنوات، وأهمها أحكام الجهاد ونشر الخلافة الإسلامية.

ويرى متابعون أن خوض الأزهر في قضايا دينية شائكة ومتعلقة بتنظيم داعش، محاولة للإبقاء عليه في الواجهة، وفرملة محاولات سحب بساط تجديد الخطاب الديني من تحت أقدامه، والسعي إلى عدم تحقيق ما يصبو إليه الناقمون على أدائه بعد أن وصفوه بـ”المتراخي” في مواجهة المتشددين والمتطرفين.

وكان الرئيس عبدالفتاح السيسي أعلن عقب وقوع تفجيرين لكنيستين في كل من طنطا والإسكندرية (شمال القاهرة) عن تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، في خطوة اعتبرها البعض تمهد لإعلان وفاة دور الأزهر (إكلينيكيا) وسحب ملف تجديد الخطاب الديني منه بعدما فشل في تحقيق خطوات حقيقية في الملف، وعدم حسم قضايا دينية مهمة ساعدت على تنامي التشدد بالمجتمع.

وقال باحثون في الشؤون الدينية، إن الأزهر قد يتخذ خطوات أكثر جرأة في حسم بعض القضايا لقطع الطريق على من يتصور أنهم يتصيدون له الأخطاء ويوجهون له الاتهامات ويتخذون من مواقفه السلبية ذريعة لتقليص صلاحياته، حتى ينزع الحجة من أيديهم فلا يجدون مبررًا للقضاء عليه.

وعزا أحمد صابر الباحث في الشأن الديني، الليونة الأخيرة في خطاب الأزهر وكأنه يريد النأي بنفسه عن تحمل المسؤولية كاملة دون مشاركة أطراف أخرى، لذلك يتعامل بطريقة “إذا كانت المشكلة في عدم تكفير أفعال داعش، فإن أفعالهم كافرة.. وأروني يا مؤسسات الدولة ماذا أنتم فاعلون بعد ذلك”.

وأوضح لـ”العرب” أن استمرار تعامله بهذا النهج “سأفعل ما تريدون قدر المستطاع″ ربما يعيد إليه نفوذه المفقود ويضرب معارضيه ويفشل خططهم التي توحي باستهدافه وتهميش دوره واستبداله بمؤسسات أخرى، متوقعًا تعامل الأزهر بمزيد من المرونة في مواقفه في إطار معركة الصراع من أجل البقاء.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر