الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

داعش والقاعدة.. حلف الضرورة

  • الانكفاء الذي يعيشه تنظيم داعش في سوريا والعراق، وانخراط العديد من القوى في محاربته، ميدانيا أو فكريا، حتّما على التنظيم التفكير في “حلول” تقيه احتمالات التلاشي. العودة إلى القاعدة كانت فكرة مستبعدة منذ أسابيع قليلة بالنظر إلى العوائق الفكرية وعمق الخلافات بين التنظيمين، لكن ما صرح به إياد علاوي نائب الرئيس العراقي بأن تنظيم داعش أطلق محادثات مع تنظيم القاعدة لبحث إمكانيات وسبل التحالف، يجعل الأمر واردا إن تم تأصيله في السياق السياسي والميداني بالمنطقة.

العرب عبدالجليل معالي [نُشر في 2017/04/19، العدد: 10607، ص(13)]

تحالف للخروج من الخندق

تصريح إياد علاوي، الذي أشار إلى بدء “المناقشات بين التنظيمين حيث يدور حوار بين ممثلين لأبي بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية وممثلين لأيمن الظواهري زعيم القاعدة، جدير بالاهتمام والبحث، أولا لقرب علاوي من مصادر المعلومات بحيث لا يمكنه إطلاق تصريحات بهذه الأهمية من فراغ، وثانيا لوجود تضييق حقيقي على مقاتلي تنظيم داعش في الموصل كما في الأراضي السورية، والأمر يشمل أيضا وضعية تنظيم القاعدة في الأنحاء التي يتواجد فيها.

الوضع الذي فرض على تنظيم داعش أن يقلّب في دفاتره القديمة، ويدشن مسار التفاوض مع تنظيم القاعدة، بقدر ما يعكس وضعا صعبا على المستويات الميدانية والسياسية والمالية، فإنه يفتح الباب أيضا، إن حصل الاتفاق والتحالف الذي أشار إليه علاوي على إمكانيات واسعة للتنظيمين، تحتم على القوى والدول التي تحارب الإرهاب أن تأخذها بالاعتبار.

لكن الآفاق التي يتقصّدها التحالف تواجهها عوائق متصلة بخلاف التنظيمين وتصدّعهما منذ العام 2014.

الخلاف بين داعش والقاعدة انطلق سياسيا وعسكريا، على خلفية الأزمة السورية عام 2011، عندما قرر أبوبكر البغدادي (قائد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق منذ العام 2010) توسيع نشاطه ليشمل الأراضي السورية، وأرسل عددا من مقاتليه للمشاركة في القتال ضد النظام.

رحّب أيمن الظواهري وريث قيادة تنظيم القاعدة منذ وفاة أسامة بن لادن، بدخول تنظيم الدولة الحرب ضد النظام السوري إلى أن اندلع الخلاف حول جبهة النصرة وهل تبقى كيانا مستقلا بقيادة سورية منفصلة عن التنظيم القادم من العراق (رأي الظواهري) أم تندمج في ألويته (تصور البغدادي).

اندلع القتال بين التنظيمين مطلع عام 2014 وانتهت رسميا علاقات القاعدة بالدولة الإسلامية التي أطلقت على نفسها تسمية “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش).

على أن الخلاف العسكري الميداني لم يخف الخلاف العقدي الديني بين التنظيمين المتشددين، والذي يمكن اختصاره في أبعاد المرجعية الدينية وعقيدة الجهاد، والهدف العسكري، وتحديد العدو والهيكل التنظيمي والتوزيع ومناطق النفوذ.

هذه الخلافات، إضافة إلى التصريحات المتبادلة التي وصلت حدّ التكفير واتهام القاعدة لتنظيم داعش بأن قادته “حدثاء الأسنان” لا يفقهون تنزيل “كفر النوع″ على “العين”، سواء في حق المسلمين من أهل السنة أو من أصحاب المذاهب الأخرى، مقابل اتهام “فقهاء” داعش للقاعدة بأنها “تنظيم سروري” وأنها استحالت شبيهة بتيار محمد سرور زين العابدين الذي جمع بين العمل السياسي ومشروعيته وفق المنطق الإخواني إضافة إلى خصالها في التعامل مع المخالف.

هل يمكن لتنظيمين تحاربا وتبادلا اتهامات وصلت حد التكفير أن يعودا إلى التحالف؟ وهل المستجدات الإقليمية والدولية الراهنة تتغلب على دواعي الفرقة والتصدع؟

الواضح أن مجرد بدء نقاشات تبحث سبل التحالف يمثل تطورا نوعيا في مسار العلاقة، وواضح أن التوجس المشترك مما ينتظر التنظيمين تغلّب على العوائق السالف ذكرها، والواضح أيضا أن كل طرف يدركُ جيدا أن التنظيم الآخر يكمل نقصانه، لكن الأكيد أن الأزمة أعمق عند تنظيم داعش وهو الباحث عن تثبيت مواقعه فضلا عن إنشاء مواقع جديدة تجنبه مطبات الحصار. وهو ما يؤدي إلى القول إن هذا التحالف إن تحقق يتقصّد آفاقا تتجاوز خط الموصل – الرقة، وأن هذا التحالف يرنو على المستوى الميداني إلى توسيع دوائر نشاط التنظيمين، بربط البؤر المتوفرة عند كل تنظيم ببعضها لتشكيل ما يشبه الشبكة من النقاط المتقاربة والتي ستتيح لاحقا إمكانيات أكبر من التحرك والمناورة.

وبذلك يستفيد داعش من الخلايا النشطة والكامنة لتنظيم القاعدة في سوريا وفي العراق وليبيا وصولا إلى مالي ونيجيريا، فضلا عن الخلايا الصغيرة في الفلبين وإندونيسيا.

أما تنظيم القاعدة فسيتكئ على الحضور الداعشي في ليبيا وفي مصر وفي اليمن (جدير تأمل تصريح منصور التركي المتحدث الأمني باسم الداخلية السعودية حين عبر عن أن القاعدة فقدت قدرتها في اليمن وداعش هو الأخطر).

تلمس خرائط انتشار التنظيمات في مختلف أنحاء العالم، كاف لتبين النتائج المرجوة من التحالف المفترض بين داعش والقاعدة. لكن وجوه الاستفادة لا تكمن فقط في الجوانب الميدانية، بل تتوسع لتشمل الجوانب التنظيمية والمالية والبشرية، وهي عوامل يتقدمُ فيها تنظيم داعش، إلا أن ذلك لن يمنعه من النظر إلى أهمية الموارد البشرية للقاعدة.

بقي أن التحالف سيؤدي أيضا إلى تغيير في أدبيات التنظيمين، ومن ذلك توحيد مفهوم “العدوّ” وهي مسألة إشكالية مهمة لدى الفريقين، أولا لأنها أثارت خلافات كبرى منذ عام 2010 حتى لحظة الافتراق، وثانيا لأنها ستحدد مستقبلا أشكال التحرك لدى الفريقين أو لدى التنظيم الجديد إن تم التحالف.

“العدو” في أدبيات القاعدة هو العدو البعيد (أميركا والصهاينة) إذ يشدد التنظيم على أن الأولوية هي للمعركة مع الصليبيين، مع الاحتفاظ التكتيكي بمواجهة العدو القريب (الأنظمة العربية) في سياق دفع الضرر. هنا لم يضع تنظيم القاعدة في اعتباره الشيعة أو المخالفين له في خانة العدو القريب. وكان ذلك أحد مثالب التنظيم في قراءات داعش.

العدو عند تنظيم داعش طال كل مخالف؛ كالمسيحيين والصهاينة والشيعة والإيزيديين وكل المخالفين في الرأي أو المذهب. يذكر هنا أن تنظيم داعش شن حربا على عناصر الجيش السوري الحر وسمى الحملة “نفي الخبيث”.

والثابت أن داعش سيسحب معه القاعدة إلى مفهومه للعدو، خاصة في ظل الأحداث الأخيرة، والتضييق عليه من قبل قوات الجيش العراقي أو من قبل قوات التحالف الدولي في سوريا أو في غيرها من الميادين.

النقاشات التي أشار إليها علاوي والهادفة إلى بحث إمكانيات التحالف بين داعش والقاعدة، تؤشر أولا على أزمة عميقة يعيشها تنظيم داعش، أكثر عمقا من مثيلتها لدى القاعدة، ويشير أيضا إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من نشاط مختلف التنظيمات الإرهابية، على أن العوائق الفكرية والعقائدية تظل كامنة ومحددة أولا للتحالف من عدمه، وستحدد أيضا مستقبل هذا التوحد.

عبدالجليل معالي

:: مقالات أخرى لـ عبدالجليل معالي

عبدالجليل معالي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر