الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الأوقاف المصرية والمساجد.. الخلط بين العمل الدعوي والخدمي

  • الدور الذي تقوم به وزارة الأوقاف المصرية في مواجهة جماعة الإخوان، تعرض إلى انتقادات سياسية واتهامات مجتمعية بضرب قيم المواطنة وتكريس الخلط بين الدين والسياسة، بعد أن شرعت الوزارة في توسيع أدوارها الخدمية داخل المساجد بعيدا عن القيام بالدور ذاته لخدمة المواطنين بمختلف أطيافهم.

العرب أحمد جمال [نُشر في 2017/04/21، العدد: 10609، ص(13)]

النأي بالمساجد عن كل أشكال التوظيف

وزارة الأوقاف المصرية نجحت في شغل جزء كبير من الفراغ الخدمي الذي تركته جماعات الإسلام السياسي، لكن البعض يرى أنها تعاملت مع الأمر بصورة سطحية بهدف الوصول إلى فئات بعينها كانت ظهيرا شعبيا لتلك التنظيمات، من دون أن تضع ضوابط حاسمة لفصل العمل الدعوي عن السياسي، ما يمثل تهديدا للدولة المدنية.

يذكر أن محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري، أعلن فتح ألف منفذ للسلع الغذائية في بعض الأماكن الملحقة بالمساجد، ووقع اتفاقا مع وزير التموين لتوزيع 900 طن من السلع الغذائية قبل شهر رمضان على المناطق الأكثر احتياجا في القرى والنجوع.

وقال جمعة إن الوزارة توزع المساعدات وفق قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة لديها، وتتم عملية التوزيع داخل المساجد ومديريات الأوقاف، وشدد على أن وزارته تقوم بهذا الدور لتحقيق أهداف عدة على رأسها قطع الطريق أمام جماعات التطرف التي تحاول استغلال الظروف الاقتصادية الحالية وتوظيفها لصالحها.

وقبل عامين بدأ تنامي الدور الاجتماعي والسياسي لوزارة الأوقاف المصرية بعد أن خصصت ميزانية لتقديم مساعدات مادية وعينية للمحتاجين، وتوزيع صكوك الأضاحي على الأكثر عوزا من المواطنين، وتقديم سلع غذائية مجانية على الفقراء خلال شهر رمضان.

لم يكن التوسع في أدوار وزارة الأوقاف ليغطي فقط على ما تركته التنظيمات الإسلامية التي درجت على القيام بهذه المهمة من قبل، لكنه جاء أيضا لملء الفراغ الذي تركته منظمات المجتمع المدني بعد أن ضبطت الحكومة المصرية مسألة دخول التمويلات الأجنبية إليها، واتخاذ إجراءات قانونية وأمنية ضد منظمات كانت تعمل دون ترخيص ووظفت أدوارها لصالح تيارات سياسية بعينها ما أدى إلى انكماش الدور المجتمعي للجمعيات الأهلية بشكل عام.

وبحسب البعض من المراقبين فإن توظيف المساجد لتقديم سلع استهلاكية، يفتح الباب أمام استخدام دور العبادة المسيحية للأمر ذاته، والمزايدة على دور المسجد، وهو ما يصب في خدمة التنظيمات الإرهابية التي تحاول توسيع الهوة بين المسلمين والأقباط، بل يفرز تداخلا في المهام بين السلطات، باعتبار أن مواجهة الغلاء مهمة أصيلة للوزارات الاقتصادية والخدمية بالدولة.

قال عمرو عمارة منسق حركة “إخوان منشقون” إن تحويل دور العبادة إلى هيئات خدمية تشرف عليها إحدى الهيئات التنفيذية بالحكومة يتعارض مع التصور الخاص بمواجهة استغلال التنظيمات الإرهابية للمساجد وتطويعها لخدمة أهدافها، والخطوات الأخيرة لوزارة الأوقاف وظفتها جماعة الإخوان سياسيا وإعلاميا للدفاع عن تصرفاتها السابقة.

وأضاف أن الخلط بين العمل الدعوي والخدمي يصاحبه حديث عن مصالح سياسية مستقبلية، وما أقدمت عليه الأوقاف لا يصب في صالح الحكومة التي ستكون متهمة بخلط الدين بالسياسة مرة أخرى، وإعادة إنتاج ما حذرت منه الجماعات الإسلامية سابقا.

وبعد أن أحكمت الوزارة سيطرتها على غالبية المساجد، تعرضت لأزمات عديدة حال فقدان الثقة في كل ما تقوم به من أدوار دعوية أو خدمية من خلال تواجدها بالمجتمع.

ودفعت الانتقادات المتزايدة التي وجهها سياسيون وأزهريون محمد مختار جمعة لإصدار بيان، أكد فيه أن الوزارة تدرك جيدا حُرمة المساجد وأهمية تجنيبها لكل أنواع البيع والشراء والتجارة، وستكون المنافذ المزمع تنفيذها بملحقات لا علاقة لها بالمسجد، أو في مكان مستقل بالفضاءات المجاورة للمسجد، ولا تهدف إلى الربح.

ويرى سياسيون أن تحركات وزير الأوقاف الأخيرة لها أهداف سياسية تدخل ضمن صراعه مع الأزهر للقيام بدور أكبر في مسألة تجديد الخطاب المتأزم بالأساس، كما أن تعامل الوزارة المباشر مع المواطنين من خلال المساجد ورقة رابحة بيد الوزير يستطيع توظيفها سياسيا عبر تنفيذ إستراتيجية الحكومة في التعامل مع تلك الفئات، ما سيعود عليه بمنافع سياسية أكبر.

لم يقف وزير الأوقاف عند هذا الحد، بل عقد مطلع الأسبوع الماضي اجتماعا مع وزير التنمية المحلية المصري هشام الشريف، ناقش خلاله إمكانية تعاون الوزارة في توفير فرص عمل للشباب بالمحافظات، والمساعدة في الأعمال التنموية داخل القرى الصغيرة والنجوع، بالإضافة إلى تدشينه لمشروع المكاتب الثقافية الإسلامية في محاولة للتصدي للأفكار المتطرفة.

وقبل عام تقريبا أعلن الوزير المصري عن مبادرة “المسجد الجامع″ للوصول إلى الفقراء والمحتاجين، وتستمد المبادرة مكوناتها مما يقوم به أنصار تيار الإسلام السياسي من أن رسالة المسجد في الإسلام تتجاوز كونه دار عبادة، بل تمتد لتشمل جوانب علمية وثقافية وتعليمية وتربوية واجتماعية وخدمية خيرية.

الوزارة حرصت على الإشارة إلى أنها تعمل لتحقيق أهداف العمل الخيري الإنساني دون أدنى توظيف له لأغراض سياسية أو حزبية أو شخصية، الأمر الذي صاحبه ترحيب مجتمعي خلال تلك الفترة، قبل أن تتباطأ الوزارة في تنفيذ مبادراتها لأهداف تمويلية وسياسية وفكرية أيضا.

وقال محمد كامل عضو المكتب السياسي للحزب المصري الديمقراطي لـ”العرب”، إن اقتصار تنفيذ إستراتيجية الحكومة تجاه المساجد على الجانب الخدمي يثير العديد من الشكوك حول نواياها، لكن يبقى في النهاية أحد الحلول الحكومية لمواجهة الغلاء، مشددا على أن رفض دور الإخوان بالمساجد كان لتوظيف ذلك الدور لخدمة السياسة وهو ما لم يظهر حتى الآن من قبل وزارة الأوقاف.

وأوضح أن خطوات وزارة الأوقاف تهدف إلى تحقيق المزيد من الثقة بينها وبين الملايين من المصلين الذين يذهبون إلى المساجد، خاصة وأن البعض منهم كان يعتمد على الخدمات التي تقدمها تيارات الإسلام السياسي، من إخوان وسلفيين وغيرهم، داخل المسجد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر