الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

الأندلس في متخيل الجهاديين.. صياغة الجغرافيا بمفاهيم التاريخ

  • تنطلق الأدبيات الجهادية في تحليلها للواقع الراهن وفي برمجتها لنشاطها المزمع تنفيذه من كتب التاريخ ومن خرائط الجغرافيا المتصلة بالأمة الإسلامية في أوج ازدهارها. استناد صنع مخيلة جهادية تنظر إلى العالم الجديد بوجهة نظر قديمة، ولذلك ينظر إلى العالم بأسره على أنه حدود غائمة أو استعادة لمناطق نفوذ الخلافة الإسلامية، ولعل النظر إلى الأندلس لا يمثل فقط سعيا لاستعادة أرض المسلمين “السليبة” بل هو أيضا إمكانية لتنفيذ أعمال إرهابية في إسبانيا وجوارها (المغرب وغيره) كما تراها المخيلة الجهادية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2017/04/21، العدد: 10609، ص(13)]

أسبانيا متوجسة من تهديدات داعش

تتخوف إسبانيا من حصول عمليات إرهابية على أراضيها، ينفذها تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة أبوبكر البغدادي، خصوصا في ظل الضربات التي يتلقاها التنظيم في سوريا والعراق والتي باتت مؤشرا على خسارته الوشيكة للأراضي التي كانت تحت نفوذه، بيد أن هزيمة التنظيم يمكن أن تدفعه إلى البحث عن وسيلة لتنفيذ عملية نوعية تكون ذات طابع رمزي وديني يمكن أن يعيد التفاف مقاتليه حوله، للرد على تراجعه، ولتوجيه إشارة إلى أتباعه بل وتجنيد أتباع جدد له في القارة الأوروبية.

في هذا الإطار تأتي قضية الأندلس، التي تحتل حيزا مهما في متخيل الجهاديين منذ زمن بعيد. ففي الشهر الماضي كشفت مصادر إسبانية عن اعتقال خلية تتحرك ما بين مليلية وسبتة المحتلتين والتراب الإسباني، من أجل تجنيد مقاتلين لفائدة تنظيم داعش من المغاربة، يكون هدفهم تنفيذ هجمات في عمق إسبانيا، كطريق نحو تحرير الأندلس. وقالت المصادر إن التنظيم يعرض على المجندين الجدد مبلغ ألف دولار، وإنه بث عددا من أشرطة الفيديو ذات الطابع التحريضي، تركز على الأندلس.

ولم تولد قضية الأندلس، كعامل من العوامل المحفزة لدى الجهاديين، مع تنظيم داعش في السنوات الثلاث الأخيرة، بل تعود إلى وقت سابق بكثير. ففي الثمانينات من القرن الماضي كتب عبدالله عزام عراب الجهاد في أفغانستان، في كتابه “التربية الجهادية والبناء” أن العمل الجهادي لن يقف عند أفغانستان، التي ليست سوى منصة إقلاع للجهاديين، بل سيتواصل “حتى نحرر بخارى وسمرقند وطشقند وقفقاسيا وشيشنة وداغستاز ونحرر الأندلس، حتى نحرر كل بقعة كان عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وقد اعتبر عزام أن الجهاد فرض عين على المسلمين وأن الغزو يجب أن يكون مرة واحدة كل عام على الأقل.

وقد ظلت وصية عبدالله عزام حية لدى تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن، الذي قال في أكتوبر 2001، بعد أقل من شهر على تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر “لن ندع مأساة الأندلس وفلسطين تتكرر”.

وسعى التنظيم في الأعوام التالية إلى محاولة الربط بين قضية سبتة ومليلية المغربيتين الواقعتين تحت الاحتلال الإسباني وبين الأندلس، على أساس أن تحرير المدينتين سيكون جسرا نحو تحرير الأخيرة، وهو الأمر الذي دفع “المفوضية الإسلامية بإسبانيا” التي أنشئت عام 1992 لتمثيل المسلمين في البلاد أمام الحكومة الإسبانية، إلى إصدار فتواها الشهيرة يوم 11 مارس 2005 تدين فيها “المبررات السياسية” التي يدعيها تنظيم القاعدة وبن لادن للحديث عن الأندلس، وتبرئ المسلمين في إسبانيا من الإرهاب والعنف.

وفي أبريل من عام 2008 هدد أيمن الظواهري، الرجل الثاني في التنظيم آنذاك، في شريط مسجل مدريد بتحرير المدينتين، من دون أن يذكر الأندلس، وهو ما فعله أيضا أبومصعب عبدالودود (عبدالمالك دروكدال) زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في نفس العام، معيدا ما قاله الظواهري.

تنظيم داعش يؤرخ لبدء مشروعية الجهاد كفرض عين من ضياع الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي

وتزامنت تلك التهديدات مع تفكيك المغرب في نفس السنة لشبكة كانت تطلق على نفسها اسم “فتح الأندلس”، تتكون من 15 عنصرا يوجدون في كل من العيون وأكادير، كانت لديها اتصالات بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بحسب السلطات المغربية. وفي ديسمبر من عام 2009 بث الظواهري شريط فيديو يهدد فيه فرنسا وإسبانيا ويتوعد بتحرير الأندلس، من دون أن يذكر سبتة ومليلية. وفي عام 2016 بث تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي شريط فيديو يعلن فيه عزمه الوصول إلى بلاد الأندلس وروما ونابولي.

وقد حضرت قضية الأندلس في تسجيلات الظواهري ست مرات، كانت آخرها في يناير الماضي، عندما بث زعيم القاعدة شريطا مصورا يهدد فيه إسبانيا باسترجاع المدينتين المغربيتين المحتلتين والأندلس، وهو ما أحدث حالة استنفار لدى المخابرات الإسبانية التي عمدت إلى تحليل مضمون الشريط وربطه بالتهديدات الصادرة عن تنظيم أبوبكر البغدادي.

جعل تنظيم داعش مسألة تحرير الأندلس جزءا من خطابه الدعائي والتحريضي فور إعلان ما سمي بالخلافة على أجزاء من سوريا والعراق عام 2014. فقد ظهرت إسبانيا في الخارطة التي عكست نوايا التنظيم في التوسع، حيث وضع هذا الأخير شبه الجزيرة الإيبيرية ضمن المناطق التي سيتم احتلالها مستقبلا.

وفي سبتمبر 2014 بث التنظيم شريط فيديو يظهر فيه شخصان يتحدثان اللغة الإسبانية، أحدهما مغربي يدعى نورالدين مجذوبي، يقول إن إسبانيا “هي أرض أجدادنا وسوف نفتحها بإذن الله”، بينما يقول الشخص الآخر إن أهداف التنظيم لن تتوقف في العراق وسوريا بل ستشمل جميع المناطق من جاكرتا إلى الأندلس.

وتجاوب مقاتلو التنظيم مع هذا الخطاب الدعائي عبر تغريداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب أبوردينة العصامي في تغريدة له قائلا “يوما ما، سيرجع الابن الضال إلى حضن أبيه”، وكتب آخر “باقية وتتمدد، فاتحة الأندلس السليبة قريبا”.

كما أن أبا محمد العدناني (طه صبحي فلاحة) المتحدث الرسمي السابق باسم تنظيم الدولة الذي تم اغتياله في 30 أغسطس 2016 في إحدى المعارك بحلب، ذكر الأندلس في كلمة تحت عنوان “لن يضروكم إلا أذى”، حيث قال “ولا ننسى أن نجدد العهد للأمة: ألا يطيب لنا عيش حتى نحرر أسرى المسلمين في كل مكان، وحتى نعيد القدس، ونرجع الأندلس، ونفتح روما إن شاء الله”.

ويكشف هذا التركيز المتزايد على الأندلس في خطاب الجماعات الجهادية الحاجة إلى إيجاد قضية ذات تأثير رمزي كبير له ثقل في المتخيل العام للجهاديين. ذلك أن الأندلس، بقدر ما هي حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي في نوع من النوستالجيا التاريخية والدينية، بقدر ما يعمل الجهاديون على تحريك هذه النوستالجيا في نفوس أتباعهم، بل إننا نجد تنظيم داعش يؤرخ لبدء مشروعية الجهاد كفرض عين من ضياع الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، إذ يرى أحد منظريه أن الجهاد أصبح لازما على المسلمين منذ أن ضاعت الأندلس.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر