الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

تمكين الشباب العربي من المواقع القيادية: النجاعة أم الأحلام

الرهان على الشباب لا يعني بالضرورة أن نتوقف على الاعتماد على خبرة 'الشيوخ' الذين تداولوا على مواقع عديدة مكنتهم من رؤية الأشياء بمنظور أكثر رصانة.

العرب  [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(12)]

الإماراتية شما المزروعي أصغر وزيرة في العالم

عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في تونس ثم مصر وليبيا وغيرها من الأقطار العربية، كان الأمل معقودا على أن تغير تلك الثورات، من جملة ما ستفرزه من تغييرات، من طبيعة النخبة السياسية الممسكة بمقاليد التسيير في تلك البلاد.

والواقع أن الأمل كان نابعا من العديد من الدوافع المتضافرة؛ الدافع الأول أن الفاعلين في التحركات والاحتجاجات كانوا في غالبيتهم الساحقة من الشباب. والثاني أن النخبة السياسية العربية لم تتغير منذ لحظات الاستقلال في أغلب الدول العربية، وإن طالها التغيير فهو طفيف أو بمفعول الانقلابات العسكرية، وقد ترتب عن رتابة هذه النخبة أداء سياسي واقتصادي وُسم بالعتاقة والسكونية ولم تشمله رياح التغيير والتجديد. الدافع الثالث قوامه أن نسب البطالة التي ارتبطت دائما بفئة الشباب كانت أيضا تعبيرا عن فشل مناويل التنمية التي تفتقر إلى الإبداع والتجديد ولأنها أيضا من جنس القائمين بها ومهندسيها.

انفتاح البلاد العربية وشبابها على تجارب سياسية “مقارنة” ببلدان أخرى مكن شبابها من إدارة المقاليد الاقتصادية والسياسية، وتوصلوا إلى تحقيق نجاحات ملفتة، وسعت الهوة الكامنة بين الموجود والمنشود، وبين ما يسود في الواقع وبين ما حلم به الشباب أو انتظروه. وعندما يقرأ شاب تونسي أو مصري عن كون وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورس، عُيّن وزيرا وعمره لا يتجاوز 28 عاما، أو أن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو لا يفوق عمره 43 عاما، أو أن وزير الصحة والرياضة السويدي غابرييل يكستروم عمره 29 عاما، يتبين أن السن أو انعدام التجربة لا يمثلان عائقا أمام تحمل المسؤوليات والتمكين، بل إن المسألة في عمقها وجوهرها هي رهان على كفاءة.

التأخر في تمكين الشباب من الاضطلاع بالمسؤوليات القيادية، والخلاف بين الرهان على الشباب أو الاستفادة من الخبرة، قد يفضيان إلى سجال سياسي في بلد عربي أو آخر

وما يقيم الدليل على أن المسألة ليست “قدرا عربيا” هو أن العديد من الدول العربية انخرطت في مسار تمكين الشباب من المسؤوليات القيادية، أليست شما المزروعي التي عينت في العاشر من فبراير 2016 وزيرة لشؤون الشباب في دولة الإمارات، أصغر وزيرة في العالم عن سن لا تتجاوز يوم تعيينها 22 عاما؟ والأمر ينسحب كذلك على أقطار عربية أخرى حاولت تمكين الشباب في الوزارات أو مواقع قيادية أخرى مهمة.

في هذا الصدد يتحول الموقف من المسألة إلى منطلق خلاف بين الداعين إلى الرهان على الشباب واستغلال الروح المتقدة لديهم، وقدراتهم الإبداعية وروح التجديد المتصلة أبدا بالشباب، يضاف إلى ذلك أن الشباب عادة أكثر فهما للغة العصر واحتياجاته السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، بل إن وعيهم بمعاناة أبناء جيلهم وبطالتهم وتهميشهم يجعل القياديين الشباب أكثر قدرة على ابتكار الحلول واجتراح التصورات التي عجزت عن تدبرها النخب القديمة المترهلة. الشباب إن تمّ تكمينهم من فرص القيادة ووفق استراتيجيات واضحة ودقيقة، فإنهم لا شك سيبدعُون في تقديم البدائل الحقيقية التي تعجز عن تدبرها العقول التي لم تبرح قواعد الماضي ومناهجه.

لكن الرهان على عنصر الشباب وتمكينه من فرص القيادة، لا يعني بالضرورة أن نتوقف على الاعتماد على خبرة “الشيوخ” الذين وفر لهم الزمن والتداول على مواقع عديدة خبرة وقدرة على رؤية الأشياء بمنظور أكثر رصانة قد تفتقد عند الشباب. لذلك تبدي بعض القراءات السياسية والمعرفية دفاعا شرسا عن ضرورة الاستفادة القصوى من خبرات الكبار بل وتثمينها والاستفادة منها، حتى في سياق إعداد الشباب وتدريبهم لحمل المشعل مستقبلا.

على أن التأخر في تمكين الشباب من الاضطلاع بالمسؤوليات القيادية، والخلاف بين الرهان على الشباب أو الاستفادة من الخبرة، قد يفضيان إلى سجال سياسي في بلد عربي أو آخر. اتخذ هذا الخلاف أو الجدل طعم الخلاف السياسي المستعر عندما اتصل بقضايا من قبيل العزل السياسي وعندما ارتبط بأحزاب الأنظمة السابقة، وعندما تم تأصيله في سياق ثوري عارم قد تؤدي به الحماسة إلى الشعبوية أو التهريج السياسيين. والدليل على ذلك أن الدول التي راهنت على شبابها ومكنتهم من وظائف قيادية عليا، لم يثر الأمر لديها ضجيجا إعلاميا إلا بقدر الحديث عن عمر الوزير أو وسامته.

على أن طرح هذا الإشكال يقتضي الإقرار بأن الرهان على الشباب لا يتناقض مع الاستفادة من الخبرة، وأن البحث عن التجديد والإبداع لا يلغي أيضا ضرورة البحث عن النجاعة والرصانة في التسيير والإدارة. في المسألة إمكان لتوفيق هادئ بين الرهانين. للشباب اتقاده وللخبرة رصانتها، وما بينهما تنسيب خطط واستراتيجيات ترسم لعقود قادمة، وتتفادى الارتجال وخبط عشواء أديا في ما أديا إليه، إلى خيارين أحلاهما مر: إما تحنيط الأداء السياسي والاقتصادي وإما وضعه في يد هواة.

اقرأ أيضا:

الشباب صناع المستقبل وبناة التنمية

بدون خبرات لا تنمية في السياسة أو الاقتصاد

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر