الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

مواجهة 'فلول الإرهاب العائد'.. اتفاق في المبدأ واختلاف في المعالجة

  • ماذا أعدّت الدول العربية لخطر عودة جحافل وفلول العناصر الإرهابية التي وقع تجنيدها ضمن صفوف داعش وغيره من التنظيمات الجهادية في بؤر العنف والتوتر؟ وما هي السبل الناجعة التي ينبغي للحكومات العربية اتباعها في التعامل مع هذا الملف للوقاية من هذا “الجراد الإرهابي الزاحف والعابر للقارات”، والذي يهدد أمن المجتمع والدولة، خصوصا أن هذه العناصر قد تلقت تدريبات وشحنت بعقائد تكفيرية خطيرة من شأنها أن تفخخ مستقبل البلاد والعباد، دون أن ننسى ظاهرة الأطفال المعروفين بـ”أشبال الخلافة” والذين تسعى التنظيمات الإرهابية إلى تهيئتهم كقنابل موقوتة؟

العرب حكيم مرزوقي [نُشر في 2017/01/03، العدد: 10501، ص(12)]

كيف نحمي أمن المجتمع والدولة

ظاهرة عودة المقاتلين الإرهابيين إلى بلدانهم، قادمين من بؤر النزاع والتوتر، ترجع إلى عام 1990 حيث كانت تعتبر في بدايتها ظاهرة هامشية، أما تسليط الأضواء عليها فقد ظهر بعد أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأميركية عام 2001.

وكلما حققت قوات التحالف الدولي ضد “داعش” تقدما في العراق وسوريا وليبيا، ازدادت مخاوف الدول التي ينتمي إليها مقاتلو التنظيم من إمكانية عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، وهي مخاوف عززها تقرير للمركز الأوروبي لمحاربة الإرهاب بكشفه عن إمكانية عودة ثلث المقاتلين من تنظيم “داعش” إلى بلدانهم، ومن بينهم من سيرجع وفي نيته القيام بعمليات إرهابية.

وكشفت تحقيقات أوروبية أن تنظيم داعش اعتمد خطة لإعادة أتباعه إلى أوروبا منذ بضعة أشهر، بعد توقيعهم على استمارات خاصة تتضمن عزمهم على تنفيذ عمليات في أوروبا، وبذلك يصبح هؤلاء العائدون بمثابة “قنبلة موقوتة” يمكن أن تنفجر في أي وقت وفي أي مكان.

مجلس شورى داعش أصدر تعليمات إلى مقاتليه في الخط الأول ممن يسمون بـ”المهاجرين وأهل الخاصة” بالعودة إلى دولهم بعد أن أمرهم التنظيم بتشكيل “ولايات عربية سرية في دولهم ومهاجمة المقار الحكومية”.

عودة المقاتلين الإرهابيين من بؤر التوتر، هي ملف أمن قومي بالغ الخطورة والحساسية ولا مجال فيه للتفاوض أو المقايضة أو التساهل تحت أي ضغط أو غطاء دوليين

ومن المرجح أن يعود إلى أوروبا لوحدها أكثر من 1500 مقاتل، قسّمهم المركز إلى صنفين؛ الأول سيعود دون خلفية القيام بعمليات إرهابية، والثاني سيرسله التنظيم ومعه مخطط للقيام بأعمال إرهابية. وهو ما دفع المركز إلى دعوة الأجهزة الأمنية الأوروبية إلى التعبئة والحذر لمواجهة موجة “الدواعش” العائدين.

التقرير لم يقتصر على مقاتلي “داعش” في العراق وسوريا، وإنما تحدث عن احتمال عودة عناصر “داعش” في ليبيا؛ فهناك أيضا مني التنظيم بخسائر كبيرة، ما دفع المؤسسة الأوروبية إلى التنبيه إلى كون أفراد “داعش” في ليبيا سيلجأون إما إلى دولهم الأصلية، وهذا يعني المغرب بشكل كبير، وإما إلى استغلال موجة الهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية إلى أوروبا من أجل الوصول إلى أقارب لهم في أوروبا.

ولم يتوقف التقرير عند هذا الحد، بل نبّه إلى نساء المقاتلين المتواجدات حاليا في العراق وسوريا، وأبنائهن الذين يعتبرون أيضا خطرا، لأنهم تربوا وسط بيئة متطرفة، وبالتالي سيكون اندماجهم صعبا في حال عودتهم إلى الدول الأوروبية. وأفادت المؤسسة الأوروبية بأنه حتى من عاد إلى أوروبا سيسعى إلى البقاء على اتصال مع التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكانت فرنسا وبلجيكا من أوائل الدول الأوروبية التي عبرت عن تخوفها من عودة المقاتلين من العراق وسوريا، قبل أن تنضم إليهما بريطانيا التي أكد قائد سلاح الجو في جيشها أن هناك خطرا حقيقيا لعودة المقاتلين إلى أوروبا. وتحدثت المؤسسة الأوروبية عن أن 50 في المئة من المقاتلين الأوروبيين في “داعش” مازالوا حاليا في ساحات القتال، بينما عاد 30 في المئة منهم إلى أوروبا.

وتأتي التحذيرات الأوروبية لتضاف إلى التحذير الذي أطلقه مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية في المغرب، عبدالحق الخيام، من أن مقاتلي تنظيم داعش المغاربة المتواجدين في ليبيا على الخصوص كانوا يخططون للعودة إلى المغرب للقيام بأعمال إرهابية.

وفي القاهرة حذر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية من التداعيات التي تصاحب عودة المقاتلين الأجانب في صفوف الجماعات الإرهابية إلى بلدانهم خاصة وأن هناك من يعتزم تنفيذ عمليات انتحارية في تلك الدول انتقاماً لهزائم داعش في الشرق الأوسط.

وأضاف المرصد أن هناك مخاوف كبيرة رصدها مرصد الإفتاء من عودة الإرهابيين الأجانب إلى الدول الغربية، خاصة وأنهم يمثلون أكثر من 20 بالمئة من مقاتلي داعش، وهو ما يعتبر تحدياً رهيباً أمام تلك الدول، لما يمثله هؤلاء العائدون من مخاطر محدقة على الأمن القومي والاستقرار المجتمعي والفكري فيها.

ضرورة إيجاد حل لمثل هذه المجالس من العزاء بالبحث في تجنب أسبابها

نفتح الباب ونتحصن بالأمن والقانون

يتفهم الجميع مدى غضب الحشود الجماهيرية والجمعيات الحقوقية والمدنية التي تطالب حكوماتها بغلق الحدود في وجه من يزمع العودة إلى البلاد من العناصر المتورطة في القتل والإرهاب، بل ويذهب الكثير من الغاضبين نحو المطالبة بنزع الجنسية عن هؤلاء الذين أعلنوا مبايعتهم وولاءهم لدولة أوهام الخلافة التي تقتل باسم الدين، وتلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، ولكن.. هل فكر هؤلاء في بساطة وسطحية وعدم فاعلية ما رفعوه من شعارات أمام المخططات الجهنمية الماكرة التي تحضّر لها الجماعات الجهادية؟ وهل أن عناصر وقادة هذه العصابات المجرمة، هم من “الغباء الاحترافي” حتى يعودوا القهقرى بمجرد أن تغلق النقاط والمعابر الرسمية الحدودية أبوابها في وجوههم؟

الإرهابيون سوف يعودون حتما من النوافذ الخلفية والممرات والسراديب السرية أو حتى العلنية “الشرعية”التي خرجوا منها عند بداية استقطابهم وتجنيدهم، فهل ستصعب عليهم العودة بطرق أكثر خطورة ووسائل اختراقية شتى، مما يجعل الأمر يربك الأمن وينذر بـ”مفاجآت” غير سارة للمنظومة العسكرية والأمنية في أي بلد، بالرغم من الكفاءة المشهود بها لهذه المنظومة، وواجب الحرص على عدم التشكيك في أمانتها ونزاهتها؟

النقطة التي أشار إليها خبراء أمنيون في دعمهم لـ”استقبال” العناصر الإرهابية العائدة، تتمثل في تسهيل عملية وضعهم تحت المراقبة بعد استخلاص المعلومات اللازمة، وتسليم من ثبتت عليهم الإدانة إلى القضاء، وبذلك نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في معالجة آفة الإرهاب بدل غلق الأبواب وتجاهل المنافذ الكثيرة الأخرى التي تتسرب منها هذه العناصر الإجرامية.

يساند هذا الرأي ويضيف إليه خبراء اجتماعيون ونفسيون يرون أن السماح لهؤلاء بالعودة لا يعني إفلاتهم من القضاء، والتهاون مع الإرهاب، بل يخدم غاية استراتيجية هدفها تقويم وإصلاح وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هؤلاء الشبان المغرر بهم، هذا بالإضافة إلى حماية الآخرين من أفكارهم المسمومة قبل التفكير في إمكانية إدماج الفئات المؤهلة منهم عملا بفكرة أن الثمرة الفاسدة تفسد الثمرة الصالحة في الصندوق الواحد، مع مراعاة مبدأ “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة”.

وأثير من جديد في تونس، البلد الذي عانى من الإرهاب استقطابا وتصديرا وتضررا، موضوع “توبة” وعودة الإرهابيين إثر تصريح الرئيس الباجي قائد السبسي، بأن «خطورتهم أصبحت من الماضي، وكثير منهم يريدون العودة، فلا يمكننا منع تونسي من العودة إلى بلاده “. يساند هذا الرأي عدد من المتفائلين خصوصا على ضوء هزائم داعش الأخيرة، بالإضافة إلى الواثقين من نجاعة المقاربة الأمنية والمعولين على مؤشرات تراجع التطرف ومدى التحصن الثقافي للمجتمع.

هذا لم يمنع من أن السبسي، قد واجه الكثير من الانتقادات والاتهامات السياسية المتعلقة بانسجامه مع موقف حركة النهضة الإخوانية، التي قال زعيمها راشد الغنوشي بأن “الابن الضال مصيره العودة إلى عائلته”. ودخل الرئيس التونسي السابق، منصف المرزوقي، على الخط، داعياً إلى “استرجاع أبنائنا المغرّر بهم لإدماجهم في المجتمع، لكن بعد التأكد من كونهم لا يمثلون أي خطر”. وأضاف في تصريح مكتوب أنه على هذا الأساس “لا ترفض تونس أياً من أبنائها ويمكنهم العودة، لكن شرط القبول بمدة مراقبة في مراكز مختصة تُستحدث بقانون”، لافتاً إلى أنه “لا مجال لحرمان تونسي من جنسيته أو منعه من العودة لبلاده”.

محللون ومراقبون يرون أن أوروبا لم تجنح نحو حسم موقفها من موضوع الإرهاب بهذه السرعة الانفعالية والخطاب المتشنج، فقد تحدث فيها خبراء ومتخصصون عن عزمهم على الاستعداد لتعامل أكثر نجاعة من القول بـ“أن بلدان أوروبا لن تستقبل رعاياها ثم تغلق القوس”، وكأنما الإرهاب ينتهي بمجرد قولك إننا سنغلق حدودنا أمام هؤلاء.

وفي هذا الصدد، قال المدعي العام البلجيكي فريديريك فان لوف، “سبق أن اتصل أشخاص بالسفارات ليتمكنوا من العودة، أغلبهم نساء وأطفال” مشددا على الحاجة إلى آليات مناسبة للتعامل مع عودة القاصرين الذين تربوا على العنف.

وتعليقا على هذا الخبر قدم الصحافي التونسي الصافي سعيد قراءة، يتهم فيها جهات أوروبية بالتواطؤ مع تنظيمات جهادية، ومفادها ما نقله عن أحد الخبراء الاستراتيجيين الفرنسيين حين قال “إن الخمسين شخصا قياديا الأوائل في داعش ليسوا مسلمين ولا علاقة لهم بالإسلام”. و اعتبر سعيد أن داعش هو “شركة مساهمة دولية تبيع وتشتري وتفاوض”.

التوبة أمرها بين العبد وخالقه ولا علاقة لها بالقانون

نغلق الباب الذي يعود منه الإرهاب

معارضو عودة العناصر المتورطة مع الإرهاب في تونس، يطرحون حلولاً دستورية مختلفة عما يطرحه من يتمسك بالنص الذي يصعّب فكرة إسقاط الجنسية عن هؤلاء أو يمنعهم من العودة إلى بلدانهم، فهم يرون أن العناصر الإرهابية قد تنكرت لانتمائها الوطني وبايعت ما يعرف بـ”الدولة الإسلامية” كـ”وطن بديل”.

وكثر الحراك في الشارع التونسي من طرف أحزاب وجمعيات ومواطنين يرون أن عودة الإرهابيين المطرودين من العراق والشام ومن ليبيا، يمكن أن تتسبب في موجة من العنف ويمكن أن تضع حياة المواطنين في خطر وتزيد من مخاطر الإرهاب، وقد جاءت هذه المظاهرات الحاشدة، ردا على نداءات البعض من ذوي الاتجاهات الإسلامية بتفعيل ما أسموه “قانون التوبة” لاستيعاب الإرهابيين العائدين من بؤر التوتر.

وفي هذا الإطار، أشار النائب عن “الجبهة الشعبية” (حزب يساري) في تونس، الجيلاني الهمامي، إلى أن “الجبهة تقترح على النواب الرافضين لعودة الإرهابيين إلى تونس، تقديم مبادرة تشريعية لتنقيح الدستور وتضمينه إجراءات لسحب الجنسية التونسية عنهم وتوقيع اتفاقية دولية مع الدول التي قاتلوا فيها لمحاكمتهم على أراضيها”.

عودة الإرهابيين من بؤر التوتر، في نظر جهات حقوقية في مصر وتونس والمغرب وغيرها، هي ملف أمن قومي بالغ الخطورة ولا مجال فيه للتفاوض أو المقايضة تحت أي ضغط أو غطاء دوليين، وتطالب هذه الأطراف ذات القاعدة العريضة في البلاد العربية، الدبلوماسية الوطنية في دولها بالتحرك الفاعل في اتجاه محاكمة هؤلاء المقاتلين في البلدان التي ارتُكبت فيها جرائمهم، مشددة على أهمية مواصلة تفكيك وكشف شبكات التسفير وتتبّع ومحاسبة كل المتورطين في تنظيمها وفق قانون مكافحة الإرهاب لحماية المجتمع في المستقبل، وخصوصاً فئة الشباب.

وقال النائب ومساعد رئيس البرلمان المكلف بالإعلام والاتصال في البرلمان التونسي منجي الحرباوي إنه قدم مقترحا لرئاسة الحكومة من أجل الوقاية من عودة الإرهابيين إلى البلاد، يتمثل بالأساس في تغيير جوازات السفر التونسية ومراجعة البيانات.

الحل هو الاستفادة من تسهيل عملية وضع الإرهابيين العائدين تحت المراقبة بعد استخلاص المعلومات اللازمة منهم، وتسليم من ثبتت عليهم الإدانة إلى القضاء

ويأتي هذا المقترح من أجل الوقاية من عودة الإرهابيين تحت مسميات مزيفة وبغطاء لوثائق هوية وجوازات مزورة تعود لفترات سابقة.

السلطات العربية، لا يجب أن تغيب عن اهتماماتها مسألة الأطفال الذين رافقوا آباءهم إلى بؤر التوتر أو ولدوا في تلك المعسكرات الجهادية، ووقع تلقفهم من قبل قادة وعناصر عملت على تعبئة أدمغتهم الصغيرة بالعقيدة التكفيرية، وأشركتهم في معسكرات التدريب، وهو أمر ينبغي أن يدرس بدقة وعناية، وأن تعمل الجهات المختصة على رعايتهم وتخليصهم من ثقافة القتل والكراهية.

هذا الأمر تفطنت إليه الجهات الأوروبية، وما على الجهات العربية إلاّ أن تحذو حذوها بمنتهى المسؤولية، فأجهزة مكافحة الإرهاب في أوروبا، تخشى أن يصبح هؤلاء الأطفال سواء جندوا بالقوة أو بإيعاز من أبوين جهاديين، “قنابل موقوتة حقيقية” بحسب قول المدعي الفرنسي فرنسوا مولانس.

وقالت الاستخبارات الفرنسية في مذكرة صدرت منذ أشهر عدة “يكثف تنظيم داعش جهوده لتجنيد أطفال مقاتلين وينشر على الإنترنت تسجيلات فيديو يبدو فيها مقاتلون يافعون”.

وأضافت أنه من خلال عرض من يسميهم “أشبال الخلافة” يسعى التنظيم إلى إظهار قدرته على استقبال وتدريب “مقاتليه الصغار عقائديا وعسكريا، وكذلك توجيه رسالة إلى الدول الغربية لإثبات استمراريته عبر الأجيال القادمة”.

وعن موضوع التوبة الذي يطرح في بعض الأوساط المتدينة أو من يقدمون أنفسهم كمسلمين معتدلين، يفيد كريم بن وردة، المحامي التونسي بأن فكرة “التوبة” مصطلح ديني يخص العقيدة وهو في علم الله، فلا يمكن جره نحو الدساتير والقوانين الوضعية، وهو بذلك يشبه مصطلح الجهاد الذي تذهب به الجماعات التكفيرية نحو مأربها، وهو الأمر الذي يؤيده فيه أستاذ الفقه بالقيروان ابراهيم محفوظي، بقوله “على الرغم من أن بعض تفسيرات الأئمة لآيات الجهاد في القرآن ارتبطت بمواقف وعلل استوجبت ذلك، تنتفي بانتفاء زوال العلةكل الآراء الرافضة لعودة الجهاديين، لا تنكر إمكانيات تسربهم وتغلغلهم وتفعيلهم لخلاياهم النائمة، لكنها ترى في الاجتثاث حلا لا بديل عنه.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر