الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الحقيقة والصبر

باتت الحقيقة شأنا تقنيا وليست مستوى قيميا، لا نحتاج معها إلى الصبر والتفكّر بل إلى السؤال: هل تلقيت جرعة من رسائل التلقيح كي أصدقك.

العرب سعد القصاب [نُشر في 2017/03/13، العدد: 10570، ص(24)]

“كان عليك أن تتحلى بالقليل من الصبر كي تعرف الحقيقة”، عبارة ظلت حتى وقت قريب محمودة. أشير إلى زمن كان فيه الصبر رديفا صلبا يؤازر مسعى البلوغ إلى الحقيقة، كان ذلك يعني الانتظار وبذل الجهد باكتشافها. إن حضور الحقيقة ضرورة كي تكون الحياة عادلة ومنتظمة.

تغير الأمر بعد هيمنة منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المختلفة في حياتنا اليومية، واعتمادها مصدرا للمعلومة وللمعرفة. ثمة سلوك بات يصاحب التعاطي معها، قائم على العجالة، المقبولية، التسرع، التهاون، التقاعس، في تصديق ما يتم النظر إليه وعرضه وإشاعته، بوصفه حقيقة لا تطالها الشكوك. وكأن الحقيقة في زمننا الافتراضي هذا، ليست في حاجة إلى الصبر كي ندركها. إلا أن رأيا مغايرا أصبح متداولا من قبل علماء الكومبيوتر وخبراء تكنولوجيا المعلومات، يناقض هذه البداهة التي حملناها بخفّة عن هذه الشبكات وعروضها وأخبارها. فهذه “اليوتوبيا المروعة”، أي العالم الافتراضي ومواقعه، يبدو أنها أصبحت فضاء حرا وغير مقيد لانتشار الأكاذيب وتفشي وبائها.

هؤلاء الباحثون أقروا بأن العام الماضي قد تبوأ مركز الصدارة في نشر الأخبار والعناوين الكاذبة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

لا شك أن الكذب والخداع والتلفيق والافتراء والتزييف ممارسة مـتأصلة في بعض المؤسسات والأفراد، لكن ذلك لم يمنع رؤساء تلك الشركات من الإعلان عن خطط للحد من الأكاذيب والشائعات المتداولة على شبكاتهم. وقد أقروا بأن الأمر ليس يسيرا وشديد التعقيد، لجهة حجم المعلومات المهول في تلك الشبكات، فضلا عن أن نشر الأكاذيب خاصية عميقة في الطبيعة البشرية.

أحد تلك الجهود لتعزيز الحقيقة في العالم الافتراضي، ما قام به خبراء من جامعة كامبريدج، واختراعهم ما يسمى رسائل التلقيح، أي تعريض الناس لجرعة من معلومات خاطئة باعتبارها لقاحا نفسيا، يعزز مناعة مكتسبة لهم تساعدهم وتنبههم إلى اكتشاف الحقائق مقابل حجم الأكاذيب.

أستعيد تصورا أبداه الفيلسوف الألماني نيتشه قبل ما يقارب القرن من الزمن، حينما وصف الحقيقة بكونها “غريزة غامضة”، تشبه الوهم، وهي ليست سوى خطاب لغوي حاشد بالتشبيهات والاستعارات والمجازات، غدا ذا مشروعية جراء استخدامه بكثرة، كما علل نظرته إليها بذريعة صعوبة “تصور غريزة للحقيقة صافية وأمينة بين البشر”.فالإنسان كائن يجيد التزحلق على سطح الأشياء، وهو فعل لا يفضي إلى الحقيقة.

هكذا باتت الحقيقة شأنا تقنيا وليست مستوى قيميا، لا نحتاج معها إلى الصبر والتفكّر بل إلى السؤال: هل تلقيت جرعة من رسائل التلقيح كي أصدقك؟ وعلى العشاق أن يفكروا في الأمر.

سعد القصاب

:: مقالات أخرى لـ سعد القصاب

سعد القصاب

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر