الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

الاحد 23 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10611

ابن تيمية في المطار

الوزن يجعل الأشياء تسقط ولذلك يكون الوزن هو الشغل الشاغل في المطارات حيث لا يريد الناس للأشياء أن تسقط وخصوصا الطائرات.

العرب حسين صالح [نُشر في 2017/03/14، العدد: 10571، ص(24)]

الإنسان منذ نشأته انتبه إلى بعدين أو خطين متعامدين: الأفقي والعمودي. الأفقي يطالعه كلما تأمل في الأفق بحرا أو برا. هو خط واحد لا تتغير زاويته، ساكن وخالد. الخط الأفقي، بهذا، مفهوم ومعروف الأصل: هو خط التقاء السماء بالأرض أو بالبحر.

البعد العمودي هو المحير ولكن لأول وهلة فقط. لا نعرف له أصلا وليست في الطبيعة أشياء عمودية، ولا حتى النخيل والأشجار. لكن الحيرة تتبدد إذا تذكرنا أنه الخط الذي ترسمه حركة الأشياء حين تقع؛ تسقط الأثمار من الأشجار عموديا سواء كان نيوتن جالسا تحت الشجرة أم لا، وسواء كانت الثمرة الساقطة تفاحة أم زيتونة.

البعد العمودي في الطبيعة يرسم حركة الأشياء حين تقع، بمعنى حركتها نحو الأسفل. التوجه إلى الأسفل يعتمد على شيء آخر وخاصية أخرى من خصائص الأشياء وهي الوزن. الوزن يجعل الأشياء تسقط ولذلك يكون الوزن هو الشغل الشاغل في المطارات حيث لا يريد الناس للأشياء أن تسقط وخصوصا الطائرات.

الصلة بين ما هو عمودي والوزن غريبة وتظهر في تجليات عجيبة، منها أن الشعر العمودي به وزن، والشعر الذي ما به وزن. وأول من انتبه إلى ربط مفهوم الأسفل والأعلى رغم نسبيته بشيء ثابت هو الوزن، فقيه عربي اسمه ابن تيمية. يقول ابن تيمية في تعريف ما هو أسفل: الأسفل هو ما تنتهي إليه جميع الأثقال.

وبسبب المطارات صرنا ندرك أن أشياءنا ومتعلقاتنا لها وزن. حتى الجورب له وزن. المسافرون العرب يتحدثون عن الوزن أكثر من أي مسافرين من أجناس أخرى. عندما كان الأهل يزورونني سنويا في إنكلترا كانوا ينفقون ساعات سمرهم ليلا في الحديث عن الوزن. ويتصاعد إيقاع الحديث عن الوزن مع اقتراب موعد العودة. المطار في أعينهم ميزان حقائب. وفي ليلة السفر يصير الكلام عن الوزن أشبه بالهذيان.

أفهم لماذا تدقق شركات الطيران في الوزن لأنها تعرف أن الطائرة قد يسقطها الثقل. وهي تعرف أن الطبيعي هو أن الأشياء تريد أن ينتهي بها الأمر إلى أسفل، حتى دون أن تقرأ الفتاوى الكبرى لابن تيمية. لكن هناك شيء من الغبن في تحديد الوزن في المطارات. المسافر الذي لا يتجاوز وزنه الخمسين كيلو يُسمح له بعشرين كيلو في وزن حقائبه، ويُعاقب إذا زاد وزن حقائبه على العشرين.

المسافر الذي وزنه مئتا كيلو يحصل على سماح مماثل في وزن الحقائب فيصير وزنه هو وحقائبه مئتين وعشرين، والنحيل يكون وزنه وحقائبه سبعين كيلو، وإذا زاد الوزن سيعاقب. أين العدل؟ أين الإنصاف؟ ينبغي أن تزن المطارات المسافر وحقائبه.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر