السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

وسواس مزمن

ليس مهما أن ينشر الكاتب كتبا بل المهم أن تكون لديه مفاتيح الاعتراف والانتشار وجني المكاسب الرمزية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(15)]

الانجذاب إلى السلطة لعنة مرافقة للمواهب الكبيرة، ما دامت السلطة تزعم أنها تسلك بأقدار الناس لما فيه خيرهم، لا فرق أن تتحول الموهبة إلى إرادة ملاك أو شيطان، فتلك صورة خارجية تحتاج إلى تفاصيل، وفي المحصلة لا يمكن اختزال الأمر بألفاظ من قبيل: “الانتهازية” و”الخيانة”، تبدو تلك التوصيفات سطحية مقارنة بالكنه الغامض والمجنون لأصحابها، قد يتبادر إلى الذهن في هذا السياق تحديدا العلامة ابن خلدون وتولهه الأثيل برفقة السلاطين، الذي زين له السعي إلى تيمور لنك على أبواب دمشق، وتمحله كل الأسباب ليكون بجانب الغازي المغولي. كما قد يتبادر إلى الذهن على مسافة قرون طويلة من الزمن غابرييل غارسيا مراكيز الذي لم يخف يوما صداقته الوطيدة بكاسترو، وقد نستحضر العشرات من الأسماء التي فضلت عطف الطغاة على حضن الشعوب المضطهدة، في حالات عصية على التفسير، لا تكف عن طرح سؤال: هل يمكن أن تند عقود من الكتابة والتفكير والإبداع الجمالي والنقدي عن عمق هش ولا إنساني؟

في العمق يبدو لي أن ثمة وسواسا مزمنا يجعل من هذا الانجذاب سعيا إلى تأبيد رمزية تتيح تسلط الاسم وتسيّده على المواهب؛ هكذا نجد أن لا طموح في العمق للروائي والشاعر والفيلسوف إلى مباشرة تفاصيل الحكم، وإنما المأرب الحقيق في الوجود بفلك السلطة، بما يتيح التحكم في مصائر الطامحين إلى التحقق الفكري والإبداعي، ذاك ما يفسر ازدحام كتب تاريخ الأدب بالآلاف من التفاصيل عن أسماء شعرية وروائية ومسرحية ونقدية عصفت بها معاصرتها لأسماء عاتية، حظيت برضى السلطان، وانطوت على عبقرية استثنائية في الإنجاز.

وهو النزوع الذي غالبا ما يصل إلى ذورته في مراحل الانحطاط الكبرى، حيث تستشري ظاهرة الكتاب الطامحين لرئاسة شيء ما، من رئاسة تحرير الصحف والمجلات إلى رئاسة الأقسام إلى رئاسة اتحادات الكتاب، إلى رئاسة جمعيات افتراضية لا وجود لها إلا على الشبكة، فليس المهم أن يكون اسم الكاتب لامعا في المنابر الإعلامية، وأن يشتهر باستثارته لقضايا ثقافية جوهرية، بل الأهم أن يكون متحكما في فرص النشر، ومردودها المالي، وعلى المنوال ذاته لا يغدو مركزيا أن يكون الناقد صاحب رؤية ومشروع فكري، وإنما الأساس أن يتحكم في من ينتمي إلى المشهد الثقافي، ومن ثم فليس مهما أن ينشر كتبا بل أن تكون لديه مفاتيح الاعتراف والانتشار وجني المكاسب الرمزية. إنها الذهنية ذاتها التي لم تر في مثال أندري مالرو مقاوما ولا مناهضا للفكر النازي وإنما فقط كاتبا كفل له القرب من شارل دوغول منصب “وزير”.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر