الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

الجمعة 31 مارس/اذار 2017، العدد: 10588

خفافيش

كيف لنا أن نقول لمن يتوجع ويئن ألما إنه معافى لا محالة؟.. وكيف يمكن أن نجعل من لا يرى حوله سوى الشر والقبح بأن الحياة ملأى بالخير والجمال؟

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/03/15، العدد: 10572، ص(21)]

حين تستبدّ بنا الأزمات وتستبيح راحتنا وسكينة أرواحنا.. تصبح الأفكار السود مثل خفافيش تستوطن رؤوسنا ولا تكف تراودنا.. فتشغل اللحظات والدقائق بتفاصيل قاتمة من الماضي القريب أو البعيد تعمق الحزن والغضب والكآبة..

وتخنق إحساسنا بالقادم من الأيام فتعمق الخوف والقلق والتوجس.. حتى يصبح الموت أملا لا نرى سواه دواء ناجعا لآلامنا.. ليصحَّ فينا قول المتنبي “كفى بك داء أن ترى الموت شافيا.. وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا”.

وفينا من يكون اليأس قد أوغل في أعماقه حتى لم يعد لأي شيء من معنى أو طعم.. فيحاول أن يضع حدا لحياته بالانتحار.. وثمة من لا يجد في نفسه الجرأة على فعل تلك المحاولة لوازع ديني ربما.. أو لأن مستوى اليأس فيه لما يكن بعد قد استوفى شروطه!

وبلا شك فإن الحل الحقيقي يكمن في اختيار عدم الاستسلام.. رغم أنه خيار صعب وأحيانا قد يبدو مستحيلا.. فكيف لنا أن نقنع من هو على حافة الانتحار بأن الحياة جديرة بأن تعاش؟.. وكيف لنا أن نقول لمن يتوجع ويئن ألما إنه معافى لا محالة؟.. وكيف يمكن أن نجعل من لا يرى حوله سوى الشر والقبح بأن الحياة ملأى بالخير والجمال؟

بيد أن من عاش التجربة وخبر مدى قسوتها وقاومها متعلقا بقشة الأمل ووصل إلى بر الراحة والتعافي.. إنما يكون قد ربى في داخله إيمانا بقوة الإنسان التي لا حدود لها.. وتوصل إلى فكرة أن التمسك بالحياة أقوى بكثير من الرغبة في الرحيل عنها مهما بطش به اليأس.. وبحسب نيتشة فإن “الضربة التي لا تكسرك تقوّيك”.. وهكذا ينهض من خبر الانكسار والتقهقر وهو أقوى وأجدر على مواجهة الصعاب.. وتخبرنا الإحصاءات أن الكثير من المعالجين النفسيين إنما مروا بتجارب قاسية جعلتهم يؤمنون بقوتهم وقدراتهم على نشر تجاربهم وتحويل آلامهم إلى عطاء ينفع الآخرين.. وهو ما يجعلهم واثقين من أنفسهم وحلولهم التي يقنعون بها من يقف على أعتاب موته يائسا قانطا مستسلما..

ولعل ثمة مشكلات تتطلب حلولا يستطيع العالق فيها أن يصل إليها بقرار حاسم وبشيء من الصبر.. لكن ثمة مشكلات أكثر تعقيدا وثمة صدمات يعجز الإنسان أن يستوعب هولها وفداحتها.. وهو ما قد يتطلب منه تقبلا نفسيا وعاطفيا ليس بالسهل تحقيقه.. وهنا يمكن أن يكون الحل بأن يكفل الأمر للزمن (دواء كل العلل).. واذبان الانتظار إنما يكون الانشغال حلا ضمنيا أو مخدرا وقتيا يطبب الحالة إلى حين دون شرط يستوجب أن يكون الانشغال مجديا.. على الرغم من أن الإنجاز والعطاء يسرّعان في الوصول إلى شاطئ الشفاء..

أما خفافيش البال التي لا تكف تعيدنا إلى تفاصيل الصدمات.. فإن الحل الناجع لها بأن ندرك حقيقة أنها تستوطننا بفعل التعود.. وأنها حالة تشبه الإدمان الذي يمكن الإقلاع عنه بقرار وبعزيمة ومثابرة.. فإن راودتنا الفكرة السوداء نحاول أن نتحايل عليها.. إما بتحويل الانتباه إلى ما حولنا وهو ما اصطلح عليه بـ”الوعي التام باللحظة”.. وإما أن ندعها تمر وكأن أحدا سوانا يرويها لنا أو لكأنها لا تخصنا.. وهذا أمر يمكن تطبيقه والتدرب عليه بالتدريج.. ولا شك أن الوعي بالمشكلة والاعتراف بها هو بداية العلاج.. ولا أحد يمكنه ألا يخوض تجربتها..

صباحكم تعاف..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر