الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

السرد الإلكتروني

ساردون كثيرون في العالم اقتنصوا تقنيات تكنولوجيا الاتصالات في رواياتهم ليضيفوا لمسات سردية جديدة فيها المتعة والتشويق والفن، متضامنين مع إبداعات العلم.

العرب وارد بدر السالم [نُشر في 2017/03/16، العدد: 10573، ص(14)]

دخلت حداثة الإلكترونيات وتقاناتها المتطورة أساليب السرد الروائي على وجه التخصيص بطريقة لا تبدو مفاجئة بقدر ما هي طبيعية، نظراً لانتشار وسائل الاتصال الاجتماعي بمستحدثاتها اليومية فائقة الخيال حتى أضحت من ضرورات ومكملات الحياة التي لا غنى عنها للجميع لتكون مثل هذه التقنيات العلمية رافداً من روافد السرد بحداثاته المتعددة وتضيف إليه سرا جديداً من أسرار الكتابة الحديثة.

سابقاً وإلى زمن قريب كانت (وربما ما زالت) الرسائل هي الوسيط الفني لتوطين السرد عند منحنيات درامية معينة، والمتابع للنتاج الروائي السردي العالمي سيجد الكثير من هذه الوسائط مقبولة في حينها وهي أيضاً جزء من فنيّة المذكرات التي يعمل عليها بعض الروائيين وكتّاب القصة القصيرة بوصفها وسيطاً ممكناً بين مسارب السرد، لكن الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس فتح باب المخطوطات سردياً واشتغل على ثيمتها حتى شاعت بطريقة أصبحت معها مملة لتشابهها في مناطق الاشتغال السردي التي تكشف مهيمناتٍ وأنساقاً معينة يلجأ إليها السارد لتعميق الحس الدرامي في المخطوطة وبالتالي السرد المنظوم عليه.

وفي تحولات العلم الكبيرة والتكنولوجيا الرقمية وأنظمة الاتصالات الحديثة يرى الأميركي توفلر أنها الثورة الثالثة التي جاءت في نهايات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين أي بعد الثورتين الزراعية والصناعية، وهي ثورة المعرفة (المعرفتاريا) واسعة النطاق التي حولت الحياة إلى منظومة اتصالات إلكترونية دقيقة لتدخل الثقافة بمعناها العام إلى هذه المنظومة أخذاً وعطاءً بطريقة مقبولة بل ورائعة انسجاماً مع هذا المعطى الحضاري في عولمته مترامية الأطراف.

ومع شيوع الأدب التفاعلي أو الأدب الرقمي وما أنتجته تكنولوجيا الوسائط المتعددة ستكون الآداب جميعها في هذه الحاضنة الجمالية تنهل من معينها العلمي وتضيف إلى جمالياتها سحر السرد وخياله اللانهائي في توظيف هذه المهيمنات الجديدة الرافدة لشرايين السرد، لكننا سنبتعد عن وصف الأدب التفاعلي لوقوعه في تقنية حاسوبية محضة ونشير إلى تقنيات السرد التي تفاعلت مع منظومات شبكات الاتصالات الحديثة لتعميق الرؤية الفنية في الكتابات السردية لبعض النماذج العربية والعالمية التي رأينا فيها إمكانيات مثيرة في استثمار هذه التقنية الفذة.

التركية أليف شافاق بروايتها المتميزة (قواعد العشق الأربعون) وبالرغم من تناولها فترة 800 عام مضت واستحضار حياة جلال الدين الرومي ورفيقه شمس الدين التبريزي، إلا أنها استخدمت تقنية الإيميل في حبكتها الروائية بطريقة بارعة ومقنعة وزاوجت بين عصور مختلفة في استقدامها لشخصيتين معروفتين والتنويع على مفاهيمهما الصوفية المثيرة للجدل، مستفيدة من نظام الرسائل الإلكترونية التي كانت عنصراً فاعلاً في تنمية دراما العشق الكبيرة التي ربطت الشخصيات ببعضها البعض بفن متقدم أفصح عن قدرة عارفة باستعمال هذه الوسيلة الفنية الضامنة.

الجزائري واسيني الأعرج بنى “مملكة الفراشة” على نظام الرسائل الإلكترونية وأنشأ قصة حب مثيرة في هذا العالم الأزرق كثير الغموض وقدّم “ياما” الشخصية الهاربة من الواقع الشائك لتنتظم في عالم الفيسبوك الأزرق وتمارس علاقاتها وأحلامها وآمالها ومهاراتها الموسيقية تحت نظام الرسائل الإلكترونية في ذاكرة تفترع الحرب الأهلية أجواءها، لكن المملكة الزرقاء الافتراضية ستقدم لها في النهاية خلاصات حلمية وسرابية بعد كل الذي قاسته من رهاب فكري واجتماعي لتكشف الرواية مشكلات العزلة في الجيل الذي أعقب الحرب هارباً إلى فرضيات وعلاقات وفرتها مساحات الفيسبوك من دون تقديم حلول شافعة لتجاوز محنة ما خلفته الحرب والدخول إلى الحياة بعلاقات أكثر صدقاً وحميمية وثباتاً بدلاً من العزلة والانطواء واللجوء إلى عالم افتراضي يكتنفه الغموض والشك.

ساردون كثيرون في العالم اقتنصوا تقنيات تكنولوجيا الاتصالات في رواياتهم ليضيفوا لمسات سردية جديدة فيها المتعة والتشويق والفن، متضامنين مع إبداعات العلم في استحداثاته اليومية التي تبعث على التأمل حقاً.

كاتب من العراق

وارد بدر السالم

:: مقالات أخرى لـ وارد بدر السالم

وارد بدر السالم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر