الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

التساؤل منطلقا للتفكير الفلسفي

لا جدال أن التساؤل سمة كل سعي إلى المعرفة، ولكن الفلسفة هي وحدها التي تمارس تساؤلا راديكاليا، لطرح أسئلة نهائية عن الذات والعالم والآخر.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/03/16، العدد: 10573، ص(15)]

منذ غابر الأزمنة، بحث الفلاسفة عن اقتراح منطلقٍ أو وصولٍ يقع الاتفاق عليه كخاتمة، لوضع حد للتساؤل، عن طريق جواب لا يمكن طرح سؤال بعده. وكان ذلك لديهم بمثابة حجر الفلاسفة يسعون إليه لعلهم يطفئون شكوكهم بماء اليقين، غير أن المسعى كان محفوفا بمنعرجات أكثر مما كان ممهدا لخط وصول. فما إن يقترح أحدهم جوابا حول مسألة من المسائل العالقة، حتى ينتأ بعده سؤال، يقوض ذلك الجواب، أو يفتح في جوانبه ثغرات غير محسوبة، لأن “الأسئلة في الفلسفة، كما يقول كارل ياسبرز، أهم من الأجوبة، وكل جواب يصبح سؤالا جديدا”.

ولا نملّ، بعد كل إجابة، من البحث عن أسئلة أخرى تستدعي أجوبة لها، إلى ما لا نهاية. والإنسان لا يرضى دائما بالأجوبة التي يقدمها له الكون، ما يدفعه إلى وضع كل ظاهرة موضع شك وتساؤل. وبفضل الأسئلة التي يطرحها، يحصل على أجوبة، ويحصل معها أيضا على شكوك. ولكنه كلما ازداد شكّا، بات لا يُقرّ إلا بما خبر وجرّب، فيجانب بذلك أجوبة كثيرة، قد تغنيه عن طرح سؤال ما، وإن كانت لا تشكم رغبته في طرح سواه.

لا جدال أن التساؤل سمة كل سعي إلى المعرفة، ولكن الفلسفة هي وحدها التي تمارس تساؤلا راديكاليا، لطرح أسئلة نهائية عن الذات والعالم والآخر، فيغدو التساؤل لديها غاية وأساسا ونقطة انطلاق، تاركة القضايا الأخرى كالألوهية والكائن والموضوع، التي خصتها الفلسفة التقليدية في حينها بأجوبة، استوجبت لاحقا هي أيضا أسئلة… والتساؤل يقدح زناد الفكر، ويفتح باب النقد الذي تتغذى به الحقيقة المطلقة، كما يقول هيغل.

والشرط في التساؤل أن يفكر المرء بنفسه، ويبحث عن أجوبة ملائمة لما غمض عنه، لا يستثني من ذلك حتى العلوم والرياضيات، التي تزعم إدراك الحقيقة الشاملة والكونية والموضوعية. في كتابه “التفكير الذاتي”، يقول الفيلسوف ميشيل توزّي: “أن تفكر بنفسك، معناه أولا أن تطرح أسئلة. لنتعوّد وضع نقاط استفهام في نهاية جملنا، كي نترك فسحة للتأمل، ونتيح له إثارة المسائل من جديد”.

حين نتساءل أحيانا عن غياب الفلسفة في أقطارنا، هل نعي بأننا نشأنا في مجتمعات تُكبر أولي الأمر منا، وترى في مساءلتهم اجتراء على مقامهم العالي، وتمنعنا من الخوض في المقدس والمدنس على حدّ سواء، وفي أحسن الأحوال تحذرنا مما يأتي من وراء السؤال من حقائق تسوؤنا. وأن الخير في ترك الماسكين بأزمة أمورنا، العائلية والاجتماعية والوطنية، يتساءلون بدلا منّا، ويقدمون لنا الإجابات التي يرتضون.

كاتب من تونس

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر