الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

زهرمان

مثله مثل التطرف والعنصرية اليوم، كان الجراد في ذلك الوقت العدو رقم واحد للبشرية. لذا لم يجد الوالي أسعد باشا العظم، من وسيلة سوى أن يأمر الناس باصطياد الجراد.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(24)]

الزهرمان البخاري نوع من أنواع السموم الزراعية القديمة قوية التأثير، اعتاد الناس على استخدامه منذ زمن بعيد في بلاد الشام. واشتقوا منه الفعل “تَزَهْرَمَ” بالعامية، وتعني تسمّم. وتقال عادة بعد غيظ شديد من البعيد المقصود. وكانوا يأتون به من بُخارى، لذلك نسب إليها.

ومن يؤمن بالثقافة الشعبية وأحاديث الأولين، يعرف أن هناك أنواعاً من الكائنات لا يقتلها لا زهرمان ولا غيره. لذلك عانت منها المجتمعات الويلات. ومن تلك المخلوقات، الجراد الذي ظهر بكميات هائلة في أواسط القرن الثامن عشر. وكان يأكل كل شيء، مثله مثل البشر العاطلين عن الإبداع والحس بالمسؤولية.

لكن الجراد لم يصل إلى الرقم القياسي الذي اكتشفه مارتن نيفلر خبير العناكب السويسري الذي قال لموقع “غيزمودو” قبل أيام، إن مجموع ما تأكله العناكب من اللحوم في السنة الواحدة، يعادل مجموع وزن كل سكان الأرض من البشر.

ومثله مثل التطرف والعنصرية اليوم، كان الجراد في ذلك الوقت العدو رقم واحد للبشرية. لذا لم يجد الوالي أسعد باشا العظم، من وسيلة سوى أن يأمر الناس باصطياد الجراد. ففرض على كل مالك أرضٍ قنطارين مملوءين بالجراد. وأعلن عن غرامة على من لا يلتزم. ولكن الجراد ازدادت أعداده بصورة جنونية. فلم يعد أسعد باشا يدري كيف يتصرف، حتى أنه اتخذ قرارات غريبة لإيقاف الغزو. منها قراره بمنع التدخين ومعاقبة المدخنين بالموت شنقاً.

غير أن الجراد استمر بالتكاثر. فنصح المشايخ الوالي بإقامة صلاة استغاثة لعل الله يستجيب، فرد حلّاق المدينة، بأن الله لا يمكن أن يستجيب والحال هكذا؛ فسق واختلاط للصالحات بالطالحات، فقرر الوالي أن على الصالحات أن يمشين في الشارع كاشفات عن وجوههن، حتى يمكن تمييزهن عن أولئك اللواتي لا يتقبل الله دعاءهن.

ومع ذلك استمر الجراد في التكاثر. حتى أرسلت السماء طائراً يسميه الناس “السمرمر”، هاجم الجراد في ريف دمشق، وكانت أسرابه مهووسة باصطياد الجراد، تأكله ثم تطير إلى عين ماء في أصفهان وتعشش هناك. كما يؤكد ابن إياسٍ في “بدائع الزهور في وقائع الدهور”.

انتظر الناس بفرح، لكن السمرمر لم يأت. فأفتى أحدهم بأن الطائر لا يأتي إلا إذا وفرنا له ماء تلك العين التي يحبّها.

فقرّر الباشا إرسال رجلين إلى أصفهان لإحضار الماء، وإلى أن ذهبا وعادا، كان الجراد قد أنهى مهمته وفتك بالمدينة. لكن ومع ذلك، فإن المشايخ والقادة والوالي احتفلوا بقدوم ماء السمرمر وتزهرموا أطيب المأكولات.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر