الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

سلطة النموذج وأحكام الشهرة

النموذج أضحى هو السلطة الحاكمة للمجتمع في زمن الحداثة السائلة، فما يقوله أكثر المغنين تفاهة يصبح مثار نقاش على مواقع التواصل.

العرب لطفية الدليمي [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(14)]

تهيمن في أيامنا هذه على عقول الكثيرين فكرة الحصول على “نموذج” من أجل تقليده، ففي السياسة لا تخلو الساحة من نماذج لها تأثيرها أو هي ذات كاريزما يمكن تقليدها والاستفادة منها أو تقليد تجاربها حتى لو كانت عنفا وإراقة دماء.

وفي المشهد الفني ثمة مئات من “النماذج” التي تفرض سلطة شهرتها -لا سلطة معارفها وثقافتها- على المعجبين والتابعين فيقلدونها في أسلوب الملبس والسلوك الشخصي وطريقة نطق الكلام في محاولة التماهي مع نجوميتها.

في عالم التواصل الإلكتروني -السناب شات والإنستغرام- أصبحت الشهرة متاحة لنساء وفتيات وشباب عاطلين عن المواهب بوضع صورهم/صورهن في نوع من الاستعراض الشخصي لكسب الشهرة أولا ثم لربح المال عن طريق استخدام صورهم مع الإعلانات، أي التحول إلى أدوات ترويج مباعة لأصحاب الصناعات التجميلية ونوادي الرياضة ودور الأزياء وباعة المجوهرات.

الفيلسوف زيغمونت باومان يناقش في كتابه “الحداثة السائلة” موضوع سلطة النموذج ويستشهد بمقولة دانييل بورستين الساخرة “المشاهير هم أشخاص معروفون جيدا لأنهم مشهورون جدا، وأكثر الكتب مبيعا هي الكتب التي تباع جيدا لأنها كانت تباع جيدا، السلطة توسع دائرة المتابعين، لكن في عالم الغايات التي يعوزها اليقين وتفتقر دوما إلى التحديد فإن أعداد المتابعين هي التي تصنع السلطة؛ أي أنها السلطة!”.

النموذج أضحى هو السلطة الحاكمة للمجتمع في زمن الحداثة السائلة، فما يقوله أكثر المغنين تفاهة يصبح مثار نقاش على مواقع التواصل، وما يرتكبه المطرب الفلاني الشهير من فضائح يصبح ميدانا للمزايدة؛ فمن رافضين يلقون باللوم عليه إلى مناصرين يحشدون الأصوات للدفاع عنه، وما تفرضه آلة الإعلام من ترويج لكتاب ما أو رواية ما يصبح دليلا ومؤشرا على ارتقاء الكاتب أو الكاتبة منصات الشهرة والجوائز دونما مسوغ فني أو قيمي يبرر شهرة عمله أو عملها سوى مهمة التسويق الناجحة وتكريس النموذج الاستهلاكي.

ثمة نموذج آخر صار علامة مميزة وخصيصة مشهورة لعالم ما بعد الحداثة وهو اعترافات الأشخاص في برامج التلفزة بأسرار مشينة كانت تعد سابقا في مستوى الفضيحة على وفق معايير قيمية انزاحت بعيدا، وعرض تلك الاعترافات على أنها مسألة عادية تفضي إلى راحة نفسية ويتقبلها ملايين المشاهدين على أنها بسالة اجتماعية تؤدي إلى تفريغ الإحساس بالذنب وإحلال القبول الجماهيري محله كشاهد على المشاركة والتخفيف من الشعور بالخزي أمام النفس والآخر.

وهناك نموذج برامج الواقع التي تعرض أنماط حياة استهلاكية خاوية تقوم على الاستعراض المظهري والجمالي والحديث عن المشكلات الأسرية والسقطات والسلوكيات الناشزة ويجري تقبلها باعتبارها سمة من سمات المجتمع الاستهلاكي المتضمن إعلانات مدفوعة الثمن لماركات الملابس والحلي والسيارات وأدوات المنزل، مقابل أجور خرافية تدفع للممثلين الذين يعرضون خصوصيات حياتهم -للعموم- ويبيعون هذه الخصوصية بثمن يضاعف من قيمتهم كأفراد استهلاكيين للمنتجات الفنية والإلكترونية.

يصف المفكر يورغن هابرماس هذه الظواهر بأنها “احتلال المجال العام للمجال الخاص”؛ فهي في مجملها تركن إلى تغليب نموذج معين وتسويقه وتقديمه بصورة مبهرجة ضمن ديكور مكاني باذخ يشغل المتلقي عن تقييم الحالة البشرية وعجزه عن إصدار حكم قيمي أمام نفسه ومنظومته الفكرية، فهو أمام نموذج مبهر، ولهذا النموذج سحره وسلطته، وعليه أن يتقبله لأنه يمتلك سلطة مهيمنة باعتباره شخصية مشهورة يمكنها التأثير في منظومات القيم الاجتماعية.

كاتبة عراقية

لطفية الدليمي

:: مقالات أخرى لـ لطفية الدليمي

لطفية الدليمي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر