الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

حرب الأكاذيب

الآن، نحن أمام كذب معولم مدعوم بإمكانيات تقنية من السهل أن تزيّف الوثيقة وأن تفبرك الصورة وأن تغيّر الصوت وأن تتلاعب بالوقائع.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2017/04/12، العدد: 10600، ص(24)]

عندما يصبح الكذب جزءا من عقيدة البعض، وعندما يجد الكاذب مجالا واسعا لترويج أكاذيبه عبر قنوات الاتصال الحديثة، وعندما يضمن أن هناك من سيصدقه، وعندما تصبح الأكاذيب حقيقة مسلّم بها لدى البعض، نجد أنفسنا أمام واقع جديد علينا أن نصارع فيه آفة الكذب قبل آفات الجهل والفقر والمرض والجوع.

قبل الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كان بإمكان أي كاذب أن يروج أكاذيبه في فضاء ضيق، بين أفراد أسرته أو أصدقائه مثلا، وكان يمكن أن يطلق عليه اسم الكذاب في الحي الذي يقطن به، أما الآن، فنحن أمام كذب معولم مدعوم بإمكانيات تقنية من السهل أن تزيّف الوثيقة وأن تفبرك الصورة وأن تغيّر الصوت وأن تتلاعب بالوقائع، فإذا بالكذبة الصادرة عن كذاب ما في غرفة ما من منزل ما في حي ما بمدينة أو قرية ما، تتجول عبر البلدان والقارات وتعبر البحار والمحيطات ليصدقها البعض ممن يرفعون شعار “قل لي ما أحبّ ولو كذبا”.

خلال الأسبوع الماضي، وجد سفير عربي في موقف لا يحسد عليه، فقد تعمّد موقع إخباري إخواني فبركة خبر حوله، يقول إنه، أي السفير، قد أدلى بتصريح لصحيفة في بلد ثالث، ينتقد فيه سياسات البلد الذي يعمل فيه، وتم تناقل الخبر في وسائل إعلام عدة، وظهرت معه صورة لموقع الصحيفة تؤكد أنها نشرت التصريح فعلا، ليتبين في ما بعد، أن لا السفير تكلم، ولا الجريدة نشرت، ولا الصورة حقيقية، وإنما هناك لعبة سياسية تدور في إطار كاذب وجد من يصدقه، ما جعل السفارة تصدر بيانا تكذّب فيه الخبر.

وقد يعتقد البعض أن صاحب الكذبة قد تعلّم الدرس، الواقع أنه يعمل على تراكمية الأكاذيب، ويدرك من الأساس أن مهمته التي يؤديها مقابل أجر، هي بالأساس الكذب، وأن تكذيبه مرة أو مرات، لا يحول دون استمراره في مزاولة عمله الذي يرتبط عقائديا بمشروع سياسي واجتماعي وثقافي يحاول فرضه على الناس بالأكاذيب.

وميزة الكذب هذه الأيام أنه ينطلق من وراء تقنيات حديثة، ترفع عن صاحبها حرج المواجهة حتى لا يجد نفسه أمام ما أشار له باولو كويلو عندما قال “لا أحد يستطيع أن يكذب ولا أحد يستطيع أن يخبىء شيئا، عندما ينظر في عين شخص آخر”.

والواقع أن حتى حكاية النظر في عين الآخر تبدو كلاسيكية جدا، فنحن نرى اليوم على شاشات التلفزيون برامج حوارية يرفع فيها الكاذب صوته عاليا، ليكذّب الصادق الذي أمته، ربما عن وعي، أو عن غير وعي، فعقاب الكاذب ليس بألا يصدقه أحد، لكن بأنه لن يصدق أحدا، وفق تعبير برناردشو.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر