الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

النيهلية المعرفية

إن كان إيرفينغ مقتنعا بأن الأرض مسطحة، فليواصلْ ممارسة كرة السلة ويتجنّب الذهاب إلى الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا).

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(15)]

أثار نبأ أطروحة تقدمت بها طالبة تونسية في كلية العلوم بصفاقس لنيل شهادة الدكتوراه موجة سخط عارمة في كافة أنحاء البلاد التونسية، وسيلا من تعاليق الهزء في الصحافة العالمية، لأن الموضوع الذي اختارته كان عودة إلى التصور الديني للكون، واعتبار الأرض مركزا مسطحا ثابتا تدور حوله الشمس وتعلوه سماوات مزدانة بالنجوم، ما يدل دلالة واضحة على تغلغل الفكر الوهابي في المجتمع التونسي، بتيسير أتباعه من إخوان النهضة.

ولئن برر الأستاذ المشرف ذلك الاختيار بأنه وجهة نظر، وهو عذر أقبح من ذنب، فإن الأطروحة لا تعدو أن تكون سوى نيهلية معرفية، كما يقول الفيلسوف ألان كامبييه، هدفها خلع الشرعية عن المؤسسات القائمة، وإنكار كل ما يسمح بالتموقع الموضوعي داخل الوجود، من خلال وجهات نظر قد تبدو منسجمة في ميكانيزمات حَجاجها، ولكنها كاذبة في واقع الأمر، لأن لها غايات لا علاقة لها بالعلم والمعرفة.

وهو ما يشهده المجتمع الأنكلوسكسوني في الأعوام الأخيرة عبر ما يسمى “ما بعد الحقيقة”، حيث بات الفرد يؤمن بكل شيء، حتى أتفه نظرية عن المؤامرة، ويضع حقائق علمية تمت البرهنة عليها منذ قرون في مستوى المعلومات التي يعثر عليها في الإنترنت.

ولكن إذا كان من حقّ الإنسان العادي أن يعترض على ما يراه غير مقنع، حتى كروية الأرض ودورانها حول نفسها، فليس من حقّ طالب العلم ومدرّسيه والداعين إلى اتخاذه وسيلة لفهم ظواهر الكون أن يطعنوا في حقائق علمية قاربتها النظريات الرياضية والفيزيائية والملاحظات الفلكية الأولى منذ القرن الخامس قبل الميلاد مع فيثاغورس، ثم دعّمها آخرون أشهرهم كوبرنيكوس وغاليلي ويوهانس كيبلر، قبل أن تجعلها الاكتشافات العلمية الحديثة حقيقة ثابتة، لا يجني من يضعها موضع شكّ غير السخرية.

عندما أعرب مؤخرا كيري إيرفينغ، نجم كليفلاند لكرة السلة، عن اعتقاده هو أيضا بأن الأرض مسطّحة، علّق نيل ديغراس تايزون، عالم الفيزياء الفلكية الذي عادة ما تستنجد به وسائل الإعلام في مثل هذه الحالات: “نحن في بلد حرّ، ومن حق أي كان أن يؤمن بما يشاء ويقول ما يريد. إن كان إيرفينغ مقتنعا بأن الأرض مسطحة، فليواصلْ ممارسة كرة السلة ويتجنّب الذهاب إلى الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا). بعبارة أخرى، إن كنت تجد صعوبة في فهم العالم الطبيعي، فلتبق بعيدا عن المهن التي يكون فيها ذلك الفهم ضروريا”.

يقول أينشتاين: “لا يوجد غير شيئين لانهائيين، الكون، وغباء البشر… بالنسبة إلى الكون لست واثقا تماما”.

كاتب تونسي

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر