الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

ضحايا الكتب

من يقرأ يظن أنه قد صار أقوى لكنه يكتشف وهمه فيما بعد ويدرك حقيقة ضعفه لأنه عادة ما ينهزم الخيال أمام الواقع وينهزم الجمال أمام القبح وتنهزم المعرفة أمام الجهل وإلى اليوم لا يزال المجد للجاهل الأكبر.

العرب مروة متولي [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(14)]

في الأنشودة الخامسة من جحيم دانتي نقرأ عن عاشقين جلسا يقرآن في كتاب واحد فماتا بسيف واحد، “فرنتشسكا دا ريميني” وشقيق زوجها “باولو مالاتستا” اللذان قادهما إلى الموت كتاب يروي قصة حب بين ملكة وأحد فرسان زوجها الملك.

يتعاطف دانتي مع هذين العاشقين المعذبين عندما يرى الريح التي تدور بهما في الجحيم من دون أن تفرقهما فيطلب منهما أن يقتربا ويسألهما عمّا سبّب لهما ذلك العذاب الأبدي فتخبره فرنتشسكا بأنهما قد استسلما لقبلة كتلك التي كانا يقرآن عنها في الكتاب وأنها كانت الوحيدة قبل أن يخترق سيف الزوج جسديهما بضربة واحدة.

اللافت في هذه الأنشودة أن فرنتشسكا تبدأ الحكاية قائلة “كنا ذات يوم نقرأ”. وتختتمها قائلة “ولم نقرأ منذ ذلك اليوم شيئاً”، وكأنما إثمهما كان القراءة لا العشق، فالكتاب هو جوهر حكايتهما والكتاب هو كل شيء بالنسبة إليهما، فهو مأساتهما وحبهما وذكرى سعادتهما التي يعذبهما الحنين إليها وتذكرها في أوقات الشقاء.

هذان القارئان العاشقان هما أكثر من تألم دانتي لرؤيتهما في الجحيم حتى أنه كاد يموت وفقد وعيه من شدة ما شعر به من أسى وربما خوفاً من مصير مشابه.

الكتب التي نقرؤها قد تؤدي إلى الشقاء والتعاسة وربما إلى الموت، لكن من يعرف الكتب لن يرضى عن سعيرها بديلاولن يقبل أبداً بجنة القبح والجهل

أما في رواية “مدام بوفاري” الشهيرة لم تكن إيما ضحية علاقاتها الغرامية المتعددة بقدر ما كانت بالأساس ضحية من ضحايا الكتب حيث كانت تقرأ الكثير من الكتب والروايات وترى أن الحياة إنما هي التي توجد داخل هذه الكتب وأن الحياة الواقعية فارغة من كل معنى. فكانت تسعى إلى إيجاد المعنى وخلق حياة أخرى مكثفة مضاعفة لذلك لم يكن من الغريب أن يكون عشيقها ليون قارئاً مثلها يحب ما تحبه من أشعار وروايات.

مدام بوفاري هذه الشخصية المثقفة المحبة للكتب لم تمنحها القراءة القوة اللازمة لمواجهة الحياة وقرر كاتب الرواية غوستاف فلوبير أن يصاحبها الفشل في كل شيء حتى في انتحارها فلم تستطع أن تنتحر بالطريقة الصحيحة ما أدى إلى موت أبطأ وعذاب أطول. وعن هذه الشخصية كان فلوبير يقول “مدام بوفاري هي أنا”.

وفي “يوجين أونيغين” الرواية التي كتبها ألكسندر بوشكين شعراً كانت الكتب سبباً في تعاسة “تاتيانا” طوال حياتها منذ أن كتبت إلى “يوجين” رسالة تعترف فيها بحبها له كما تفعل بطلات الكتب التي تحبها. وكان اصطدامها العنيف بالواقع وألمها الشديد الذي سببه رفض يوجين لحبها وسخريته من سذاجتها ونصحه إياها بأن تكف عن قراءة هذه الكتب.

وفي نفس الرواية أيضاً ينهزم “لينسكي” الشاعر المثقف العاشق للكتب أمام “يوجين” العابث التافه الذي يمثل النقيض لشخصية لينسكي بكل صفاته. فعندما يتواجهان في مبارزة يقرر بوشكين أن ينتصر يوجين ويموت لينسكي. ومن الغريب أن الكاتب ألكسندر بوشكين قد مات بنفس الطريقة التي كتب بها مشهد موت لينسكي.

في هذه الأعمال الأدبية المهمة وغيرها عادة ما ينهزم أصحاب الكتب فماذا يعني ذلك؟ ولماذا يقرر الكاتب مثل ذلك المصير للشخصيات المحبة للقراءة؟ هل يقصد الكاتب أن يحذرنا من خطر الكتب؟ وأيّ خطر هذا؟ هل ما تحتوي عليه الكتب من خيال ومعرفة يشكل خطراً قد يهدد المرء؟

من يقرأ يعرف أكثر ويكون أكثر قدرة على تذوق الجمال والإحساس به ومن ثم يكون أكثر قدرة أيضاً على رؤية القبح وتمييز الجهل والضلال وهو ما قد يؤدي بالقارئ إلى رفض العالم الذي يعيش فيه فيسعى إما إلى الهروب منه أو إلى تغييره. وهناك من يدفع حياته ثمناً لما آمن به من أفكار قرأها في كتاب وحاول تطبيقها على أرض الواقع، فمن يقرأ يظن أنه قد صار أقوى لكنه يكتشف وهمه فيما بعد ويدرك حقيقة ضعفه لأنه عادة ما ينهزم الخيال أمام الواقع وينهزم الجمال أمام القبح وتنهزم المعرفة أمام الجهل وإلى اليوم لا يزال المجد للجاهل الأكبر.

ولذلك كتب أبوالطيب المتنبي عن نعيم أهل الجهل وشقاء أهل العقل، وكتب أبو العلاء المعري عن حظوظ البلهاء والحمقى التي لا ينالها العاقل، فهل كان المتنبي يدعونا إلى الجهل؟ ويدعونا المعري إلى الحمق والبلاهة؟ وهل كانت كلماتهما تحذيراً لنا من مغبة المعرفة؟ أم كانت نوعاً من الاعتراف بهزيمة ما؟

الكتب إذن تؤدّي إلى الشقاء والتعاسة وربما إلى الموت، لكن من يعرف الكتب لن يرضى عن سعيرها بديلاً ولن يقبل أبداً بجنة القبح والجهل حتى وإن كان هو الضحية التالية.

كاتبة مصرية

مروة متولي

:: مقالات أخرى لـ مروة متولي

:: اختيارات المحرر