الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

ورطة فيسبوك

الانقلابات والزلازل التي أحدثتها ثورة الاتصالات لا يمكن حصرها ومعرفة ولو جزء بسيط من تداعياتها على شخصية التجمعات البشرية، التي تبلورت على مدى ملايين السنين.

العرب سلام سرحان [نُشر في 2017/04/13، العدد: 10601، ص(18)]

ما الذي تفعله حين تطلب خالتك أو عمتك أو أختك أو زوجة أخيك صداقتك على فيسبوك؟ كيف يمكن أن تجمع أصدقاءك المشاكسين وأفراد العائلة وعلاقاتك الرسمية وأشخاصا من عشرات الجنسيات واللغات ومن معايير متباينة للثقافة والأخلاق في منصة واحدة؟

أشعر بالحيرة حين أتلقى طلبات صداقة على فيسبوك من أفراد العائلة وخاصة النساء. فرفض الطلب أمر محرج، لكن قبوله يمثل فخا ينبغي أن تأخذه في الاعتبار في كل ما تنشره وما يضعه آلاف الأشخاص من تعليقات على صفحتك.

فتح صفحة شخصية في فيسبوك ينطوي على ورطة كبيرة إلا إذا فتحتها لمجموعة خاصة جدا ومتجانسة فقط مثل العائلة والأصدقاء المقربين فقط. وحتى في هذه الحالة فإنك ستجد صعوبة، فما يصلح للحديث مع الصديق قد لا يصلح ليكون مكشوفا للأب أو الأخت أو زوجة الأخ.

أما إذا فتحت الصفحة للجميع مثلما فعلت أنا فإنها محنة كبيرة بعد أن أصبحت تضم آلاف النساء والرجال من عشرات الجنسيات وهم من خلفيات وسلوكيات تمتد من أقصى حدود الانفتاح الأوروبي إلى أقصى درجات السلوك المتدين المحافظ.

كيف سيتم استقبال تعليق صديقة أوروبية مشاكسة على صفحتي وكيف سأرد عليها؟ وكيف يمكن لأفراد العائلة أن يطلعوا على نقاشنا الذي له خلفيات خاصة؟ أو يدخلوا صفحتها ويطلعوا على نمط حياتها الذي قد يكون صادما لهم.

أودّ أحيانا أن أنشر بعض نشاطاتي الاجتماعية مع أصدقائي وصديقاتي الأوروبيين، لكني أشعر بأنها قد يساء فهمها من قبل بعض أفراد العائلة المحافظين.

الانقلابات والزلازل التي أحدثتها ثورة الاتصالات لا يمكن حصرها ومعرفة ولو جزء بسيط من تداعياتها على شخصية التجمعات البشرية، التي تبلورت على مدى ملايين السنين.

لم يسبق لأنماط السلوك البشري أن شهدت ولو جزءا ضئيلا مما قذفته ثورة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بوجهها والمؤكد أنها لن تستطيع التأقلم مع التغيرات السريعة المقبلة، التي تفوق سرعتها قدرتها على التأقلم.

في الماضي القريب كانت حدود لقاءاتنا مرتبطة بنطاق حركتنا الضيق ولقاءاتنا المحدودة بأشخاص لأسباب اجتماعية وعملية. وكان سلوكنا والأقنعة التي نلبسها يختلفان بحسب نوع الأشخاص الذين نلتقيهم والأبواب القليلة التي يتاح لنا دخولها.

كان سلوكنا حين نلتقي بالعائلة يختلف عن لقائنا بالأصدقاء أو بسيدة جميلة أو معلمينا أو بكبار السن وأعيان المجتمع في أي من الدوائر القليلة التي تدور فيها حياتنا.

أما اليوم فقد انفتحت أبواب حياتنا الاجتماعية فجأة ودخل إليها جميع أولئك دفعة واحدة ومعهم آلاف الغرباء.

كيف يمكن أن نتعامل معهم على منصة واحدة؟ إنها ورطة كبيرة.

كاتب عراقي

سلام سرحان

:: مقالات أخرى لـ سلام سرحان

سلام سرحان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر