الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

عندي سيناريو للبيع

في اللحظة التي ينجح فيها العاشق الشجاع بعبور الأسلاك اللعينة، سيكون جسده الناحل مستعدا لاستقبال طلقة واحدة تنام بين الرقبة وفم السكسفون.

العرب علي السوداني [نُشر في 2017/04/15، العدد: 10603، ص(24)]

سأكتب لكم الليلة سيناريو فيلم سينمائي هوليودي بديع، وسأحذّر من توسوس له نفسه أو نفسها فيسرقه، فيقع تحت طائلة وعدالة قانون الملكية الفكرية العظيم.

بطل الفيلم هو شاب من بغداد العباسية العليلة، يعيش بعمّان ويشتغل عازفا بحانة مزروعة على سفح جبل. الحانة هادئة وزبائنها من الصنف الكلاسيكي، لذلك تراهم يفتتحون أول الكؤوس على نغمة حليمية، ويكرعون أخيرها متوجعين منصتين مانحين الفتى الرافديني ابتسامة نبيلة وهو يصعد بهم صوب الكلثوميات، ثم يهبط على سلّم الوهابيات. فكرت في البدء أن تكون آلة العزف هي الناي، لكنني بدلت بوصلتي صوب السكسيفون، لأنّ عزف الناي قد يحول المكان إلى مستنقع دموع.

بعد انفضاض الزبائن سيُغلق الدكان ويصعد العازف إلى غرفته، ليمارس طقسه اليومي في الاشتغال على تأليف قطعة موسيقية اسمها “ليلُ بغداد”. يتعرف الشاب إلى شابة دمشقية مذهلة عن طريق الفيسبوك، فيصنعان معاً قصة حبٍّ إلكترونية رومانسية. البنت الشامية كاتبة موهوبة وتعمل على إتمام رواية مستلة من تنور دمشق الحار. سأسمي البنت ناي وأسمي الولد زرياب. في سهرات الحب الليلية، سيرسل إليها قطعة من معزوفته، فتردّ عليه بمقطع من روايتها. بغتة تغيب ناي وتختفي صفحتها من غابة الفيسبوك الشاسعة، وهنا يبدأ جحيم الفراق الإلكترونيّ المر.

في واحدة من ليالي الوحشة وبمصادفة هائلة، يشاهد زرياب حبيبته حزينة باكية من على شاشة التلفزيون. لقد جاء بها الشتات الكبير صوب خيمة في مخيم الزعتري المشهور. يعيش زرياب الآن فصلا مأساويا من فصول الجحيم، فيختل توازنه وترتبك معزوفاته، لكن زبائن الحان سيظلون مخلصين لعزفه، غاضين النظر والسمع عن أخطائه، وقد أنصتوا إلى قصته فتفطرت قلوبهم وصارت أكتافهم وسادته.

سأعبر تفاصيل كثيرة قد تكون مملة، وأذهب بالسيناريو إلى واحدة من ذرواته، وفيها يتعرف زرياب المسكين إلى زبون طيب له أخ ضابط يؤدي خدمته في مخيم اللجوء الكبير. هنا تبدأ عملية تهريب ناي من المعسكر المحاط بالأسلاك الشائكة وجلبها إلى المدينة حيث الحانة التي تعزف ليلها على وجع زرياب.

سيلتقي العاشقان لقاء حقيقياً ساخناً. بعد أيام عمّونية عذبة، سيتوجهان صوب مفوضية اللاجئين طلباً للجوء ممكن. ستُقبل ناي لاجئة في السويد، ويقبل زرياب لاجئاً بكندا. هنا سينحرف ويتشظى السيناريو إلى قصة حب إلكترونية جديدة بين ناي السويدية وزرياب الكندي. أفكر الآن بمنظر زرياب حاملاً السكسفون بمواجهة أسلاك سويدية.

وفي اللحظة التي ينجح فيها العاشق الشجاع بعبور الأسلاك اللعينة، سيكون جسده الناحل مستعدا لاستقبال طلقة واحدة تنام بين الرقبة وفم السكسفون.

علي السوداني

:: مقالات أخرى لـ علي السوداني

علي السوداني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر