الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الإمام الغائب واستراتيجية التوسع الإيراني

الملفات السياسية المتداخلة والصعبة في سوريا اتخذت من الناحية الدينية جذرا أكثر عمقا وأصعب حلا من كونه مجرد صراع على السلطة.

العرب هوازن خداج [نُشر في 2017/04/18، العدد: 10606، ص(6)]

حالة الفوضى والاضطراب وما تريقه الحرب من دماء الآلاف من السوريين، شكّلت حالة جذب للتنظيمات الجهادية بشقيها السني والشيعي لما تلامسه من مخزون ملحمي ديني نسجته مرويات الأولين ونبوءات الأنبياء عن حروب آخر الزمان والمواجهة المفترضة بين جيشين إسلاميين كبيرين في الشام، وتم ردّ الكثير من الأحداث الدموية أو دفعها إلى مواكبة هذا المسار الذي مهّدت له قبل 1400 سنة.

الملفات السياسية المتداخلة والصعبة في سوريا اتخذت من الناحية الدينية جذرا أكثر عمقا وأصعب حلا من كونه مجرد صراع على السلطة أو محاولة شعبية لتغيير النظام، ومع انشغال العالم بمكافحة الإرهاب والتدخل العسكري لقتال خلافة داعش والحد من جذبها للمقاتلين الأجانب من خلال الشبكات غير الرسمية، وجمع التبرعات، وإيقاظ الأحلام الدينية بإحياء الخلافة.

استطاعت إيران من خلال الأجهزة الحكومية التي ترعاها وعبر تحريك الإعلام الطائفي في “المساجد والحسينيات والفضائيات والمجلات والصحف” حشد العديد من المقاتلين الأجانب وإدخالهم إلى سوريا بسلاسة بصفة حجاج وزوار للأماكن المقدسة، أو بعقود عمل رسمية، وجرّهم إلى صفوف ميليشياتها المقاتلة والتي يبلغ عدد أفرادها حوالي 50 ألف مقاتل بحسب تقرير الخبير البريطاني فيليب سميث في 2016، ليفوق بذلك أعداد المجاهدين في صفوف تنظيم داعش وجبهة النصرة والذين بلغ تعدادهم حوالي 32 ألف مقاتل حسب تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

ساهمت آليات التجنيد المتبعة من قبل الدولة الإيرانية في تشكيل مد ميليشياوي شيعي وقوة متعددة الجنسيات منظمة ومدربة للاشتباك، فالدعاية المتطورة والإشادة باستشهاد من يدافع عن الأماكن المقدسة لتحريك الهاجس الديني، رافقتهما الإغراءات المادية المتنوعة كالرواتب العالية واستغلال الفقر وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب من كافة قطاعات الشعب الإيراني.

وكشف تقرير حقوقي صادر عن أبناء القومية البلوشية في أكتوبر 2016، أن الحرس الثوري بدأ باتخاذ خطوات لتجنيد أبناء السنة في محافظة سيستان جنوب شرق البلاد التي تقطنها الغالبية السنية، لزجهم في معاركها خارج الحدود، كما طالت عمليات التجنيد الإيرانية الفقراء الباكستانيين من بلوشستان وبارتشينار، والأفغان من أقلية الهزارة الشيعية، إضافة إلى اللاجئين الأفغان غير المسجلين داخل إيران الذين تم إغراؤهم بإقامات دائمة ومساعدات مالية وميزات أخرى لعائلاتهم.

وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى وجود نحو 3 ملايين أفغاني في إيران ولم يحصل سوى 950 ألفا منهم على بطاقة لاجئ، وقد صادق البرلمان الإيراني في 2-5-2016 على منح الجنسية الإيرانية لأسر “الشهداء” الأجانب الذين ضحوا بأنفسهم من أجل إيران، اعتبارا من ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن، وهذه القاعدة ستطبق على الأفغان المقاتلين في سوريا.

حشد المقاتلين هذا الذي شكل بنية العديد من الألوية والكتائب أهمها لواء “فاطميون” الأفغاني، وكتيبة “زينبيون” الباكستانية يضاف إليه مقاتلو الميليشيات العراقية وبلغ تعدادهم حوالي 20 ألف مقاتل وأشهرها لواء أبوالفضل العباس، ومقاتلو حزب الله اللبناني وعدد مقاتليه يقدر بـ 7 آلاف مقاتل بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ورغم اختلاف الكفاءة من حيث القدرة القتالية والتسليح بين هذه الميليشيات إلا أنها تشترك بالحماسة المذهبية ويبدون حرصهم على الدفاع عن المزارات والمقامات الشيعية التي حافظت على وجودها ولم تتعرض لأي تهديد منذ 1400 عام في سوريا، إلا أن حشد المقدسات يتلاءم مع المزاج الجمعي الذي يتحرك بوحي الإيمان والاعتقاد، ويواكب الصورة التي تؤطر الأوضاع في المنطقة من الفوضى إلى الفساد والسادية الدموية والتي تمهد الطريق لظهور “الإمام الغائب” حسب اعتقاد قسم كبير من المقاتلين الذين يعتقدون فعلا أنّهم بنية من جيش سيشّكله الإمام المهدي، هذا التخبط بين روايات الأولين عن الإمام الغائب والبحث عن الأمان في المجهول، جعلا من مواطني دول أخرى رصيدا حركيا وعسكريا.

رغم أن المصالح القومية العليا هي المحرك الرئيس للاستراتيجية الإيرانية، إلا أن الجهاديين الشيعة وتعاظم دورهم ونفوذهم في سوريا يعد مصلحة استراتيجية لا غنى عنها لإيران، كي تبقى خطوط الاتصال من طهران إلى شرق المتوسط حاضرة في معادلة التفاعلات الإقليمية، وتسمح لطهران بنشر أيدولوجيتها المذهبية بشكل أكبر، وتثبيت مشروع السلطة على الشيعة خارج إيران وداخلها، فهذه الشبكة المترابطة من الميليشيات التي تقودها مفاعيل الطائفية تشكل وتدا مهما في استراتيجية التمدد.

كاتبة سورية

هوازن خداج

:: مقالات أخرى لـ هوازن خداج

هوازن خداج

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر