الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الصحافة العربية من منظور علمي

لعل الخطر القادم هو تحول الصحافة الورقية العربية إلى رقمية لأسباب اقتصادية وسياسية، على حساب الورقية، ودخول الفضائيات والإنترنت على خط المنافسة مع الصحافة المكتوبة.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(18)]

هناك جدل واسع بين رجال الإعلام والصحافة، وعدد كبير من الباحثين والأكاديميين حول دور الصحافة العربية المعاصرة في تحديث المجتمعات العربية وتطورها، وفي خلق الأنماط الإيجابية في الحياة السياسية والاجتماعية، إضافة إلى الجدل الواسع حول تطورها من ناحية الشكل والمضمون، والتحديات التي تواجهها في عصر العولمة والاحتكارات الإعلامية الدولية الكبرى.

وتكاد الصحف في كل قطر عربي أن تكون نسخا متشابهة مع استثناءات محدودة، لأن مصدر الأخبار واحد، وهو في الغالب الأعم أجنبي، وهناك صحف محلية في كل بلد عربي تهتم بهذا القدر أو ذاك بالأخبار العربية لكن اهتمام المتلقي وليس صانع الخبر أو المساهم فيه.

كما انشغلت الصحافة العربية بالهم السياسي، الداخلي والخارجي، على حساب تطور دورها وأدائها، وعلى حساب تطور المهنة أيضاً، مما أفقدها المصداقية في الكثير من الأحيان وذلك من خلال الظواهر التالية: تحول الصحافة إلى أداة للسلطة العربية وتخليها عن دورها الصحافي المعروف بوصفها أداة تأثير على مسار الأحداث حيث كرست الخطاب الإعلامي المؤدلج والمبرمج لمصلحة الحكومات أكثر مما هو لمصلحة التنمية وقضايا الناس، وافتقادها لحرية التعبير، وهبوط حاد في مستوى الضمانات والحمايات الإخبارية والقانونية والنقابية، مع تحالف في التشريعات الإعلامية، وعدم انسجامها مع العصر الجديد.

إن أزمة حرية الصحافة العربية هي أزمة الديمقراطية العربية سواء كانت ديمقراطية مغيبة تماماً في بعض البلدان التي تحكمها نظم استبدادية أو سلطوية، أو كانت ديمقراطية منقوصة ومقيدة في بلدان عربية أخرى حيث بعض الأشكال والمؤسسات الديمقراطية مثل الانتخابات الموجهة، والصحافة الموجهة. وهناك التشريعات القانونية الصحافية في معظم الأقطار العربية تقيد حرية الصحافة بشكل أو بآخر، سواء بفرض الرقابة أو التحكم في حرية إصدار الصحف وملكيتها أو بالسيطرة الحكومية على الصحف والإعلام، أو بتغليظ العقوبات في قضايا الرأي والنشر وصولا إلى عقوبة الحبس والغرامات المالية الباهظة، أو بانفراد السلطة التنفيذية بحق إغلاق الصحف ومصادرتها بإجراءات إدارية دون القضاء.

وتعاني معظم الصحف العربية من ضعف في إدارة المؤسسات الصحافية، حيث نلاحظ ضعف الأداء، خاصة في الصحف الحكومية بسبب عوامل البيروقراطية والولاء على حساب المهنية.

لكن من الإنصاف القول إنه حدث تطور كبير في صحافة بعض البلدان على الصعيد التقني لكن لم يرافقه التطور الموازي على صعيد الأداء المهني، والدور المجسد للوظيفة السياسية للصحافة، حيث أخذت الصحافة العربية بأسباب التحديث في ما يتعلق بالإعداد الفني للصفحات وطباعتها، وكذلك في تلقي الأخبار والصور والتراسل عبر المكاتب التابعة لها، ولكن التطور على مستوى الفعالية السياسية والاجتماعية لا يزال محدودا للغاية.

ودون شك تواجه الصحافة العربية تحديات عديدة في عصر الشركات الاحتكارية الإعلامية الكبرى في أميركا والغرب، والتطور التكنولوجى، أبرزها تحديات العولمة الإعلامية وتأثيراتها، التي تجعل هذه الصحافة أمام امتحان صعب، وهي تواجه الثورة المعلوماتية، وطوفان الأخبار وهو مأزق كبير لصحافة لا تعيش في بيئة صحية وتشريعات قانونية متطورة.

فإذا كانت الحرية ضرورية من ضروريات التقدم الإنساني، فإن ديمقراطية الإعلام وحرية الصحافة والتعبير هي المقدمة الضرورية لباقي الحريات، وخصوصا في مجتمعاتنا التي تعاني من نظم حكم فردية واستبدادية. وهناك التحدي الآخر المتمثل بتغيير خارطة الاستقطاب الصحافي والإعلامي لصالح مراكز إعلامية جديدة مؤثرة بدلا من المراكز التقليدية كالقاهرة وبيروت، مثل الكويت والإمارات وقطر ولندن، كعواصم ذات ثقل صحافي وإعلامي واضح، حيث فقدان الصحافة المستمر لأبنائها الصحافيين، إما عن طريق هجرة المهنة، وإما عن طريق الهجرة إلى الخارج (أوروبا والخليج العربي).

وتتعرض المنطقة العربية إلى تحدي الهجوم الإعلامي الأجنبي الذي يأخذ أشكالا عديدة عبر الاحتكارات الدولية عابرة القارات، وذلك من خلال تكريس مفهوم الإعلام الغربي الحر، وهذا ما يجبر وسائل الإعلام العربية على محاكاته أو الإفلاس والإغلاق، أو القبول بسياسة الأفراد أو الأحزاب لصالح سياستها وأهدافها من خلال دعمها المادي لها.

ولعل الخطر القادم هو تحول الصحافة الورقية العربية إلى رقمية لأسباب اقتصادية وسياسية، على حساب الورقية، ودخول الفضائيات وشبكة الإنترنت على خط المنافسة مع الصحافة المكتوبة مما أثر على حضورها القومي، إضافة إلى تطور مضامين وأشكال الفضائيات العربية، وبالذات الخبرية، وأدائها المهني وتمتعها بالحرية الإعلامية، مقابل جمود التقاليد الصحافية في الصحافة العربية من ناحية المضمون والشكل والأداء.

باحث وأكاديمي

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر