الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

حناجر صافية وقلوب بيضاء

حسين نعمة صوت مُدرب بأطوار الغناء الريفي وبالمحبة وبحلاوة حنجرته وسحرها وبجودة الأداء، وعشق المدينة التي تفخر بأجمل عيون حوراء.

العرب صباح ناهي [نُشر في 2017/04/20، العدد: 10608، ص(24)]

في العام 1956 أُفتتح التلفزيون العراقي ليسّجل أول تلفزيون عربي، وكان أول من غنى فيه حضيري أبوعزيز، ذلك الجنوبي الذي امتلك صوتا يكاد يكون أسطوريا يستمد حلاوته من تمر برحي الشطرة، مدينته الحالمة على نهر الغراف.

ولحضيري الذي يؤثر العراقيون مناداته بـ“أبوعزيز” حكايات في الفن والحياة معا، تناغمت مع صوتين منافسين له وهما: داخل حسن وناصر حكيم، الذين توصف أصواتهم بـ“الكمنجات” لفرط حلاوتها، ولإتقانها الغناء الريفي المهذب لاعتمادها على الشعر الشعبي الجنوبي المليء بالشجن والصور التي تفوح منه رائحة طلع النخل وأحزان الجنوب.

وتزدان بحلاوة النساء اللواتي أصبحن أساطير شعبية حين غنى عنهنّ حضيري وناصر وداخل حسن، بجماليات وتنوع أطوار الغناء الريفي المتمنع عن السفه في الكلام والمترفع عن الغزل المكشوف، مؤطرا بصور العشق النبيل الذي ينهل من بيئة عشائرية لها قوانينها وطقوسها الرفيعة في القيمة والمعنى وجماليات المكان الذي يفوح فيه عطر الفرات ونخيل دجلة.

أما الأطوار التي غنّوا بها فقد ظلت مدارس لكل المغنين اللاحقين، لأولئك الثلاثة والسائرين بدروب مجدهم، وكأنهم خرجوا من معاطف هؤلاء حيث تقوم على قواعد السماع والنغم الذي لا يخطئ في بيئة تُعيب على المغني النشاز، أو الخروج عن قواعد الأداء، فكان حضيري سيد كل الأطوار لا يدانيه إلا داخل حسن الذي أدى بحنجرة تكاد تكون استثنائية عربيا لفخامتها، ولناصر قرينهما يسّجل طور الشطراوي الذي يحتاج إلى حنجرة قوية وإحساس مميز.

رحل هؤلاء وظلت أصواتهم مثار إعجاب الجميع ومنهم جيل السبعينات الذهبي من المغنين العراقيين، لكن حسين نعمة ظل وريثهم الشرعي لأنه نهل منهم وسمع أصواتهم كل يوم، وورث ثروة أدائهم وأضاف بحنجرة عراقية تملك كل حلاوة الشجن والصفاء واستحالة النشاز، وله قصص بدأت من مدينته الأسطورية الناصرية بكل حكاياتها وتميزاتها ولذاعة أهلها وتهكمهم على الواقع.

حسين نعمة صوت مُدرب بأطوار الغناء الريفي وبالمحبة وبحلاوة حنجرته وسحرها وبجودة الأداء، وعشق المدينة التي تفخر بأجمل عيون حوراء، ونساء غراوات يمشين الهوينى ويثرن سحرا وعاطفة، ألهم المغنين فصاروا مطربين، وغزت أصواتهم الإذاعة والتلفزيون العراقي، وأنتجت بعدهم جيلا فريدا من المغنين، يعرفون أن لا قيمة لأصواتهم من دون تقليد أولئك الكبار. ولحسن طالع حسين نعمة أنه وجد ضالته في ملحن استثنائي من مدينته وبيئته ذلك هو طالب القرغولي، الذي مات وخلف أكثر من 500 أغنية عراقية وعربية.

صباح ناهي

:: مقالات أخرى لـ صباح ناهي

صباح ناهي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر