الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

عيون الجيران لا تنام

عين الرقيب التي شكا وبكى منها الشعراء قديما وحديثا كانت ولا تزال كاميرا تتجول بين الأزقة والشبكات الاجتماعية وكذلك بين أروقة المكاتب بالمؤسسات ولا تكاد تفلت خبرا ولا حدثا.

العرب شيماء رحومة [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(21)]

خلق اختلاف الطبقات الاجتماعية بونا شاسعا بين الأحياء الراقية ونظيرتها الشعبية في طرق العيش، فلكل حي من أحياء هذين الصنفين قوانينه وعاداته وتقاليده.

وعادة يغلق كل حي أبواب سكانه بما تعج به من أسرار في وجه الغرباء والمتطفلين، والغالب في العلاقات نفور متبادل من أساليب كل من الحيين في العيش، لكن هناك آفة ربطها البعض بالأحياء الشعبية غير أنها انتشرت انتشار النار في الهشيم بين الفقير والغني.

“التنسنيس” -أي مراقبة الآخرين ورصد أحوالهم وأقوالهم- إلى وقت قريب كان لصيقا بالقاطنين في الأحياء الشعبية نظرا لقرب المنازل من بعضها البعض وعلى اعتبار أن الحي منزل كبير يجمع الكل كبارا وصغارا.

اليوم تجاوزت هذه الآفة حدود الواقع وارتقت درجات العالم الافتراضي، وبعد أن كانت تلقب الجارة التي تتحلى بهذه الصفة بـ”فلانة برابول” حمل عنها البرابول الرقمي المشعل. ونقل البعض هوسهم بمتابعة أخبار الآخرين وتفاصيل حياتهم إلى مراقبة المنشورات الفيسبوكية، ولا تقتصر هذه العادات على فئة بذاتها فهي ليست خاصية نسائية ولا مقترنة بالمتقدمات في السن، بل منتشرة بين الرجال أيضا وانتقلت عدواها إلى الشباب.

يرى الكثير من الناس في ما يدونونه على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي تنفيسا عن همومهم وفرصة ليشاركهم الأصدقاء الافتراضيين حل مشكلاتهم.

ولم تتوقع ناشطة على فيسبوك أن يتحول ما كتبته منذ أيام إلى سبب مباشر لطلاقها، إذ أنها شكت في أحد “الغروبات” سوء معاملة حماتها لها وتدخلها المستمر في حياتها الزوجية، لا سيما أنهما يعيشان تحت سقف واحد طالبة النصح والإرشاد. إلا أنها لم تتخيل للحظة أن للحماة صفحة فيسبوكية وأنها تتابع كل أخبارها من خلالها، حتى أنها شاركت من قدموا لزوجة ابنها النصح بتعليق كان شديد اللهجة وأساء لسمعة الزوجة وتوعدتها بالطرد والانفصال عن زوجها. وانقلب هروب الكنة من “تنسنيس” حماتها على أرض الواقع إلى مأساة شهدها العالم الافتراضي.

ومن الطرائف التي تندر بها الكثير من التونسيين وتناقلوها على أنها نكتة وليست ببعيدة عن هذه الحادثة، أن إحدى الحماوات سمعت أن محرك البحث غوغل باستطاعته توفير أي معلومة يطلبها المستخدم فهرعت إليه طالبة أن يحدثها عن زوجة ابنها.

التنقيب في حياة الآخرين لا يمكن أن يدرج على أنه فضول ولا يرجع حسب اعتقادي إلى التركيبة العقلية للبعض وإنما هو مرض تفشى بين الخلق وساهمت الإنترنت والبرامج التلفزيونية في بث روح عصرية فيه، خصوصا وأن النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم سواء من الناس العاديين أو من المشاهير أو حتى من القادة والرؤساء صاروا يدونون كل تفاصيل حياتهم بل وأتفهها على صفحاتهم فاتحين العديد من الثغرات الأمنية أمام الهاكرز “النسناس” ليشبع نهمه من أخبارهم ويلم بكل كبيرة وصغيرة عنهم.

عين الرقيب التي شكا وبكى منها الشعراء قديما وحديثا كانت ولا تزال كاميرا تتجول بين الأزقة والشبكات الاجتماعية وكذلك بين أروقة المكاتب بالمؤسسات ولا تكاد تفلت خبرا ولا حدثا.

عيون الجيران لا تنام ترصد بعضها البعض من ثقوب الأبواب صباحا مساء ويوم الأحد، وبالمناسبة أقدم كل الشكر والعرفان لجارة تحرس خطواتي داخل المنزل وخارجه، تشيعني بنظراتها صباحا وتنتظر وصولي ليلا بلهفة الأم الحنون من شباك منزلها المطل على الشارع.

وأظن أن الكثير من العاملين بمؤسسة واحدة يقدرون حرص زملائهم الشديد على تصيد أخطائهم ونقلها بكل أمانة إلى الجهات المختصة دون أن يطلب منهم ذلك، آه من عناء التنسنيس فهو مكلف في أحيان كثيرة.

كاتبة من تونس

شيماء رحومة

:: مقالات أخرى لـ شيماء رحومة

شيماء رحومة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر