الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

إصبع صغير مجروح

ماذا يفعل أهل الموصل وأهل حلب وباقي مدن الدمار والحروب؟.. ماذا يفعل المحاصرون والنائمون في العراء؟.. ماذا يفعل الذين يهرعون لنجدة وإخلاء جرحاهم من أهلهم وأحبتهم.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2017/01/11، العدد: 10509، ص(21)]

جرحَتْ إصبعها.. فبكتْ.. نزل الدمع مدرارا وكأنه يختصر عمرا من الآلام.. يبدو أن الجرح هذه المرة كان عميقا بعض الشيء.. كانت تعدّ السلطة على عجالة فسمعتْ رنة هاتفها وما إن رفعت رأسها لتعرف من المتصل حتى غرست السكينة في إصبعها دون أن تعي..

لم تكن تلك سوى حادثة صغيرة يمكن أن تحدث كل يوم.. لكن الإحساس بالألم مهما كان صغيرا أو عابرا إنما يصبح حافزا لاستذكار كل الحوادث المؤلمة.. والألم الذي تتفاوت درجاته إنما هو في النهاية ألم.. وجرح إصبع صغير أو لدغة نحلة قد لا تشبه التعرض لصعقة كهربائية أو حادث سير أو السقوط من مرتفع.. ولا تشبه مواجهة الموت والنجاة منه بانفجار عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة أو بالتعرض لقصف أو إطلاق نار.. لكن كل ذلك في النهاية يصب في فكرة الألم..

وكلها حوادث.. هي قدرية ربما أو أنها ناجمة عن سوء تصرف أو سوء طالع.. لكنها بمجموعها تضعنا أمام تساؤلات تشبه مثلا: كيف نقي أنفسنا ومن نحب من الألم؟.. وكيف نستطيع تجاوز الصدمات والمعاناة؟.. وهل أن تراكم الحوادث والأوجاع يكسبنا مناعة ضد المزيد؟.. أم أنه يكسبنا خبرة احترازية أم آلاما إضافية؟.. وهل نستطيع أن نتعلم كل أشكال الإسعافات الأولية البدنية والنفسية كلما تراكم لدينا مخزون الحوادث والصدمات؟.. وهل تصقل الحوادث قوتنا؟.. أم أنها تذكي في داخلنا دفء التعاطف مع الآخرين والإحساس بهم وبأوجاعهم؟.. هل نتعلم من الألم الحب؟ أم الحقد؟..

حين جرحت إصبعها قالت لي وأنا أحاول أن أوقف نزيف الدم الساخن إذ هي تئن وتحاول أن تتوقف ولو برهة عن البكاء “يا إلهي!.. أكاد أن أسقط مغشيا عليّ من الوجع.. فماذا يفعل أهل الموصل وأهل حلب وباقي مدن الدمار والحروب؟.. ماذا يفعل المحاصرون والنائمون في العراء؟.. ماذا يفعل الذين يهرعون لنجدة وإخلاء جرحاهم من أهلهم وأحبتهم أو إخوتهم في الإنسانية؟”.. ثم توقفت عن البكاء كمن اكتشف حقيقة مروعة وقالت وهي تفتح عينيها على أشدهما “ثم كيف يستطيع أولائك الوحوش أصلا أن يقتلوا بشرا مثلهم؟.. هل ألفوا مناظر الدم والموت حتى لم يعد يؤلمهم الألم؟.. أي عقيدة تجعلهم يجدون المدنيين العزّل بأطفالهم ونسائهم وشيوخهم وحيواتهم وبيوتهم الدافئة الحميمة وكأنهم ألد أعدائهم فيستحقون الدم والفناء؟.. كيف يمكن أن يصبحوا أهدافا عسكرية لهم وكلما ازدادت العديد من خسائرهم ارتفعت على الأجساد البريئة رايات النصر؟..”.

كفكفتْ دمعها.. وقالت “ألا بئس ما يفعلون!.. شفى الله جرحانا ورحم شهداءنا وأعاد أرضنا الطيبة لأهلها الطيبين.. لقد شبعنا دمارا وقلقا وحروبا ولن نتوقف ونطيل الأنين عند جرح صغير.. الحمد لله أنا الآن بخير.. وقد مر بخاطري حوار حدث بأحد فصول الصحة النفسية الذي انتظمت في دراسته قبل سنتين هنا في الغرب.. إذ قالت المدّرسة لنا إن الإنسان الطبيعي إذ يتعرض في حياته لصدمتين نفسيتين قاسيتين قد يفقد عقله في الثالثة بسبب الألم.. فسألتها ببراءة وبجدية حقيقية: تقصدين ثلاث صدمات في الشهر أم في السنة؟.. فتعجبت لسؤالي أي عجب.. ومنذ ذلك اليوم وأنا أجد أننا أبطال حقيقيون إذ لم نفقد عقولنا حتى هذه اللحظة!”..

صباحكم صحة وسلام..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر