الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

خالد رؤوف: السياسات الثقافية المتخبطة أنتجت ترجمات مشوهة

المترجم المصري خالد رؤوف يرى أن الذائقة تلعب دورا ما مع كل مترجم لكن لا يجب أن تكون المسيطرة.

العرب حنان عقيل [نُشر في 2017/03/12، العدد: 10569، ص(13)]

للذائقة دور حاسم في عمل المترجم

الحفاظ على نبرة المؤلف وفلسفته في عمله أثناء الترجمة أمر ليس باليسير، وهي معضلة تقع في أسرها العديد من الترجمات التي يطغى فيها صوت وفلسفة المترجم في أحيان كثيرة، فيما تعاني ترجمات أخرى من غياب الرؤية بشكل كامل حين لا يمتلك المترجم وعيا كافيا بالثقافة التي ينقل عنها، فينتج ترجمة حرفية قاصرة. “العرب” حاورت المترجم المصري خالد رؤوف حول أحدث ترجماته، وإشكاليات الترجمة من وإلى اليونانية.

القاهرة - أحدث الأعمال التي ترجمها خالد رؤوف عن اليونانية رواية "العزى.. ألف عاشق وعاشق" للكاتب اليوناني المعاصر ثيودوروس غريغورياديس، وهي رواية تدور أحداثها في أثينا عاصمة اليونان في الوقت الراهن. يتحدث رؤوف عن الرواية قائلا "الرواية تمزج بين العالمين العربي واليوناني بشكل غير معتاد، هناك مزج ما بين المعاصر والتاريخي والأسطوري في نفس الوقت، إلى جانب ثراء الشخصيات النسائية وبراعة الكاتب في تجسيد الأفكار والمشاعر، كما أن الرواية تعطينا صورة قوية عن أجواء المهاجرين الشرقيين في بلاد اليونان في العصر الحديث".

ويتابع رؤوف “من خلال امرأتين تحاولان أن تقدما إجابتهما الخاصة عن سؤال ‘هل كانت هناك بالفعل أثينا ذات طابع شرقي تشكلت في خيال القراء الرحالة؟’. تدور أحداث الرواية، ومن خلال السفر عبر البحار والصحراوات ستضيعان في المدن الشرقية وأزقتها وتقطعان حدود الغرب والشرق وتلمسان حقيقة الكون المقدس وأركان التاريخ المختبئة، هناك حيث تلتقي كل من الحضارتين العربية واليونانية”.

استراتيجية المترجم

وعن كيفيه اختياره لترجمة عمل ما يقول “بالنسبة إلى رواية ‘العزي’ كنت أقرأ روايات حديثة في تلك الفترة وأبحث عن عمل روائي معاصر للترجمة حين رشحها لي أحد النقاد اليونانيين الذي تصادف أن يكون صديقا مشتركا بيني وبين الكاتب، بعد أن قرأتها عدة مرات وقررت أن أترجمها تواصلت مع الكاتب وقرأت له أغلب أعماله الروائية والقصصية ووجدت أن هذه الرواية من أقوى أعماله حتى الآن. بعد ذلك تمت الترجمة”.

ويستطرد رؤوف “الذائقة تلعب دورا ما مع كل مترجم، لكن لا يجب أن تكون المسيطرة. عندما يكون العمل المرشح للمترجم أو المختار من قبله هو عمل يعجبه، أي متحمس له، فهذا رائع.. في حالة الترجمة عن اللغة اليونانية أو حالة الأدب اليوناني الحديث الأمر مختلف، فكل الأعمال التي ترجمتها عن اليونانية حتى الآن هي أعمال أحبها واخترتها ودرستها وقرأتها عشرات المرات من قبل وكانت لدي رغبة قوية في نقلها إلى القارئ العربي كونها هامة في رأيي ولم تترجم من قبل، وأيضا لأننا لا نعرف كثيرا عن الأدب اليوناني الحديث إلا القليل المترجم عن لغات وسيطة، أي المشوّه في وجهة نظري”.

سبب وجود أقسام متعددة في مصر لدراسة اللغة والأدب اليوناني القديم هناك عدد لا بأس به من المترجمين عن اللغة اليونانية القديمة ولهم ترجمات هامة في هذا المجال

يوضح رؤوف أنه يطمح إلى تقديم بانوراما عن الأدب اليوناني الحديث، بمعنى أنه يحاول أن يترجم عملا “كلاسيكيا”، أي للكتاب الكبار القدامى مثل ريتسوس وكازانزاكيس وكوزماس بوليتيس وستراتيس تسيركاس، وعلى الجانب الآخر للمتميّزين من المعاصرين مثل ذيميتريس ذيمترياذيس وبرسا كوموتسي وثيوذوروس غريغورياذيس، وكُتَّاب من قبرص أيضا مثل نيكي مارانجو وبانوس يوانيذيس على سبيل المثال لا الحصر، مضيفا “ترجمت حتى الآن 16 عملا أدبيا عن اليونانية ومازالت هناك أعمال كثيرة تستحق الترجمة ولا سيما للمبدعين من الروائيين والشعراء الشباب في اليونان وقبرص. أعتقد أنه من الهام أن يطلع القارئ العربي على إبداعاتهم.. يمكن أن نسمي هذا ‘استراتيجية المترجم’ التي يجب بشكل ما أن تكون حلقة ضمن استراتيجية أشمل لكل الجهات المنشغلة بالترجمة”.

إنتاج ضئيل

يلفت رؤوف إلى أن الترجمة بشكل عام، ليس فقط عن اليونانية، وبالرغم من الطفرة النوعية والجهود المبذولة والملحوظة من جهات ومؤسسات ودور النشر المعنية بالترجمة في السنوات الأخيرة تغلب عليها العشوائية، فليست هناك استراتيجية واضحة تنظم عملية الترجمة بشكل عام. أما الترجمة عن اللغة اليونانية فيسري عليها ما يسري على بقية اللغات “غير المركزية”،.

إلا أنه يجب أن نفرّق بين الترجمة والمترجم عن اللغة اليونانية القديمة واللغة اليونانية الحديثة، فبسبب وجود أقسام متعددة في مصر لدراسة اللغة والأدب اليوناني القديم هناك عدد لا بأس به من المترجمين عن اللغة اليونانية القديمة ولهم ترجمات هامة في هذا المجال. أما اللغة اليونانية الحديثة، فالمترجمون عنها هم غاية في الندرة مع الأسف، وبالتالي يأتي الإنتاج ضئيلا بالنسبة إلى ثقافة كبيرة كاليونانية. ومرة أخرى رغم الجهود الكبيرة المبذولة من جهات وأفراد، إلا أنه جهد يعوزه التنسيق.

لا ينكر رؤوف أن هناك حالة من الاهتمام بترجمة الأدب اليوناني على الأقل على مستوى الوعي والرغبة من قبل الناشرين والمؤسسات المعنية بالترجمة. فالحضارة والثقافة اليونانية من أغنى الحضارات والثقافات في العالم القديم، وليس فقط بل الحديث أيضا، فبالرغم من كونها (اللغة اليونانية الحديثة) لغة صغيرة، أي أن عدد المتحدثين بها ربما لا يزيد عن الـ25 مليون ناطق باليونانية إلا أنها أهدت لنا قسطنطينوس كفافيس ويانيس ريتسوس ونيكوس كازانزاكيس، وأيضا منحتنا شاعرين كانا قد حصلا على جائزة نوبل هما يورغيوس سيفيريس وأوذيسياس إيليتيس في النصف الثاني من القرن العشرين.

عشوائية الترجمة

أما عن طرق التغلب على أوجه القصور في حركة الترجمة عن اليونانية، فيؤكد رؤوف على ضرورة التنسيق بين كل المؤسسات المعنية باللغات والترجمة، ويجب أن يتم ربط التعليم بالثقافة. إن لم يحدث هذا فبعد سنوات سنظل نردد نفس الإشكاليات ونطرح نفس الأسئلة والأجوبة ونقنع أنفسنا بأننا نأتي بجديد.

ويستطرد “أرى أنه يجب أن تكون هناك آلية ما لإعداد جيل جديد من المترجمين عن اللغة اليونانية الحديثة بالتنسيق بين الجهات التعليمية والجهات المعنية في الترجمة على المستويين المصري واليوناني”.

وفيما يتعلق بالترجمة من العربية إلى اليونانية، يبيّن رؤوف أنها في أزمة منذ زمن، فلم يترجم عنا سوى القليل كما أن عدد المترجمين عن العربية إلى اليونانية شحيح لدرجة بائسة لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة في أحسن الأحوال. لكن على الرغم من هذا هناك مترجمة عن اليونانية اسمها برسا كوموتسي ترجمت وحدها 30 عنوانا عن العربية منها الجزء الأكبر لأعمال الكاتب الكبير نجيب محفوظ، حوالي 18 عنوانا، لكن تكمن الأزمة في التنسيق بين الجهتين العربية واليونانية. لكن من جانبنا نحن لا يبدو أننا نهتم كثيرا بما يترجم عنا ومن جانبهم هم أيضا لا يهتمون وربما يرجع ذلك إلى التخبط في السياسات الثقافية للجانبين في السنوات الأخيرة، هذا إن وجدت بالأساس.

المترجم لا ينقل كلاما عن شخص بل ينقل ثقافة أخرى وعليه أن ينقلها بالشكل الذي يجعلها تقرأ بنفس السلاسة التي يقرأ بها النص الأصلي بلغته الأصلية

ويتابع “كنت قد اقترحت أكثر من مرة في مناسبات عديدة أن تكون هناك جهة ولتكن هناك لجنة تختار أو تقترح الأعمال التي تجب ترجمتها من وإلى اللغتين كي لا يقتصر الأمر فقط على اجتهاد المترجم والناشر والجهات المختلفة وكي نتجنب العشوائية بعض الشيء. لكن يبدو أن الترجمة ليست من أولوياتنا على الرغم من أنها المحرك الأولي للتقدم الحضاري”.

مطابقة الأصل

يرى رؤوف أن الترجمة بالأساس هي تقديم نسخة طبق الأصل من العمل الأصلي للكاتب بلغة جديدة. هذا يتطلب من المترجم عدة أشياء منها بالطبع معرفة اللغة بشكل عميق وثقافة تلك اللغة، فالمترجم لا ينقل كلاما عن شخص بل ينقل ثقافة أخرى وعليه أن ينقلها بالشكل الذي يجعلها تقرأ بنفس السلاسة التي يقرأ بها النص الأصلي بلغته الأصلية، وهو الأمر الذي يفترض موهبة ما لدى المترجم، فبخلاف تلك المعارف التي يجب أن تتوفر لدى المترجم يجب أن يكون لديه جانب كبير من الحس النقدي.

ويوضح “لست ممن يصفون عملية الترجمة بالصعوبة، إذ أرى أن هذا التوصيف هو مفهوم مُعَطِل نوعا ما، فهي عملية مركبة غاية في الحساسية. على المترجم أيضا أن يدرك خطورة وأهمية دوره كـ’رسول للتنوير’، إن جاز التعبير. فلنا أن نتخيل على سبيل المثال لو ترجم العرب قديما المسرح اليوناني لكان لدينا الآن تراثا مسرحيا عربيا وإلى أي مدى كان يمكن لأمر كهذا أن يؤثر في الثقافة العربية؟ بنظرة خاطفة إلى تطور الرواية العربية والشعر العربي في السنوات الأخيرة، أظن أننا سنرى أهمية الترجمة في تطوير الأجناس الأدبية وبالتالي الفكر الإنساني.

إذا توفرت المعارف السابقة في المترجم، فهذا نصف الطريق، يتبقى على المترجم عندما يتولى مهمة إنجاز ترجمة كتاب ما لا أن يقرأه فقط بل يدرسه ويحلله ويقرأ عنه كل ما كتب ونشر عنه وعن الكاتب من أخبار عادية إلى مقالات ودراسات نقدية ومن ثم يشرع في الترجمة. تلك المرحلة هامة جدا للمترجم مع المراجعات المتتالية للنص ومقارنته بالنص الأصلي. أعتقد أنه هكذا تتقلص احتمالات الخيانة للنص الأصلي إلى حد الانعدام”.

دراسة المؤلف

ينوّه رؤوف بأن دراسة النص والكاتب وتحليلهما من قبل المترجم والصبر في مرحلة الإعداد للترجمة يتيحان للمترجم نقل أفكار الكاتب وفلسفته ومن ثم نبرته وأسلوبه. هذا بالإضافة إلى المعرفة القوية بالثقافة التي ينقل عنها المؤلف، فالإلمام باللغة يعني المعرفة العميقة للثقافة التي ينقل عنها المترجم، لافتا إلى أنه يسعى إلى معرفة كل شيء وأكثر قليلا عن الكاتب قبل ترجمة عمل له، فيقرأ كل ما كتب عن الكاتب من دراسات نقدية وحوارات مع الكاتب نفسه وأي تصريح له يتعلق بالأدب وبالطبع كل ما كتب ونشر عن النص المزمع ترجمته. هذا في حد ذاته يُعد تواصلا مع الكاتب، الأمر الذي يساعد بدوره المترجم في نقل الواقع الأدبي للكاتب وعالمه وأفكاره وأسلوبيته. فالمترجم هو باحث بالضرورة، إذا كان الكاتب معاصرا بالتأكيد التواصل معه أمر هام لكنه ليس إلزاميا، بمعنى أن الحالة والنص هما اللذان يحتمان وجوب التواصل مع الكاتب.

ويبيّن رؤوف أنه ليس من المولعين بكتابة المقدمات والهوامش إلا للضرورة القصوى، فالمقدمة تكون ضرورية أحيانا إذا وجب التعريف بالكاتب، وإذا كنا بصدد تقديم كاتب جديد للقارئ العربي أو موضوع أو نص جديد. أما المقدمات التي تحكي عن الكتاب ويصف فيها المترجم مدى صعوبة الترجمة وأنه أنجز شيئا مستحيلا، فهو كلام لا يعني ولا يفيد القارئ في شيء وفي بعض الأحيان تكون مثل هذه الحالات منفّرة بالنسبة إليه. نفس الشيء بالنسبة إلى الهوامش، أعتقد أن كثرتها بلا داع تشتت القارئ.

كاتبة من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر