الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

محمد العامري يسرد سيرة الحجر باللون والكلمة

  • قدم الشاعر والتشكيلي الفلسطيني-الأردني محمد العامري نصه الفني-الشعري في صالة “آرت سبيس” الفنية بالعاصمة اللبنانية بيروت من خلال مجموعة لوحات مختلفة الأحجام، بلغ عددها 22 عملا تحت عنوان “أحجار”، والحال أنها حجر واحد متماسك الرؤى.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/03/17، العدد: 10574، ص(17)]

الحجر كون متكامل

بيروت – ربما لو أطلق التشكيلي الفلسطيني-الأردني محمد العامري على معرضه المقام حاليا في صالة “آرت سبيس” البيروتية عنوان “حجر”، عوض “أحجار”، لكان أقرب إلى الصواب؛ إذ يقف الحجر وحيدا في لوحاته منغلقا على صخبه حتى وهو في عزّ التحامه مع “حجر” آخر هو أكثر منه وحدة، في قلب سماء، هي أيضا سماء واحدة ووحيدة تفصح عن الكثير مما يدور في خلدها وفي رحمها “المطريّ/الملوّن”، إن جاز التعبير.

ويشتمل معرض العامري الجديد على مجموعتين من اللوحات: مجموعة أُنجِزت على قماش وتستجيب لمنطق اللوحة الأكريليكية الأنيقة، أما المجموعة الثانية فلعلها الأجمل والأكثر شعرية والأكثر ومضا وتعبيرا عن هالة الأشياء العادية والأقرب إلى التعبير عما يمكن أن يجسده الحجر في علاقته الوطيدة بالإنسان. وتتمتع كل الأحجار التي رسمها الفنان بهيئات مغايرة، بعضها شفاف وبعضها الآخر كأنه غازيّ التكوين، أما البعض الثالث فكثيف ويوحي بالصلابة.

ورغم جمالية اللوحات الكبيرة التي أُنجِزت على القماش، فإنها تفتقر أحيانا إلى ذاك الإيقاع الذي لا يتوقف عن النبض في كل الأعمال المنجزة على الورق، في حين قد يشعر الناظر إلى لوحاته من المجموعة الأولى بنوع من الحذر في التعبير على الرغم من التشكيل الهندسي المتماسك القائم على مفاهيم تجريدية بحتة، وهذا الحذر يغيب تماما في لوحاته المنجزة على الورق.

الأوراق تبدو وكأنها مساحة كوكب الأرض، وهو يتلقى مطرا غزيرا و”مضياءً”، ما هو إلا مطر نيساني نزق تتعالى من تحت زخاته أصوات العصافير المُنشدة، أناشيد مُجسدة بألوان الأحجار وظلالها الملونة

لوحاته المنجزة على القماش تتمتع بخاصية ربما لن يُعثر عليها بشكل جليّ في المجموعة الأخرى من الأعمال، ففضاء تلك الأعمال أكثر أهمية من الأحجار، هو أثرها وأثر “خطواتها” وانزياحاتها المُلونة، وكأن الألوان صبغة تحللت في ماء السماء الحاضنة للأحجار قبل أن تنهمر أرضا على الورق. وقدم العامري لوحاته بكلمات جلية، بدت وكأنها تشكلت والفنان يتخيل لوحاته “الورقية” الساحرة، أكثر من لوحاته الأخرى، إذ كتب “يطرح المعرض بمجمله جملة ذات معنى، المعنى المتحقق في صفة الحجر ومعايشته للإنسان، حيث كان الإنسان مجاورا للحجر، فقد عاش الحجر على صدر المرأة كقيمة جمالية، فهو حجر الحظ لإبعاد الحسد وصولا إلى علاج بعض الأمراض، هو مرتبط بالفلك وحركة الأكوان”.

ويضيف العامري “والعمل الفني الذي أطرحه هو تجريد للمشهد الطبيعي بصورة معاصرة، والحجر ابن الطبيعة، بل هو أساس فيها.. إنه ابن العبادات، حيث ينتظم بالمسابح لممارسة ذكر الخالق في كل لحظة يسبّح فيها الكائن، هو رفيق الإنسان منذ ولادته، وهو وسيلة للمقاومة، وخير مثال على ذلك الانتفاضة الفلسطينية”.

وتمثل لوحاته المنجزة على الورق حالة من التفرد تستهوي المُشاهد الذي تلوح عليه ابتسامة قد لا تفارق محياه، فهذه القدرة على إظهار التفاصيل من خلال تصوير أحجار في عدد من اللوحات، التي لا يتعدى حجمها سنتيمترا واحدا، تشي بعذوبة عالية النبرة، وبالتالي تعلن عن صدق الفنان في قوله واعتباره الحجر كونا متكاملا انعكس على طبقته الملساء في معظمها، ما يزخر به الإنسان من مشاعر وأفكار وأحوال تاريخية عظيمة كتلك المتجسدة في قبضات أطفال الحجارة المُستنيرة بأمل لا يعرف الهوادة ولا يخاف الموت.

ربما لأجل ذلك تبدو الأوراق التي رسم ولوّن ووزّع عليها الفنان تلك الأحجار بفوضى فنية مُحببة أرضا مضيافة أتاحت للأحجار الانهمار وإلقاء ظلالها المرهفة إلى جانبها، كمن يلقي حقيبة سفره الطويل أرضا وتلهفا على مشاهدة الأحبة حتى العناق الطويل.

كما تبدو الأوراق وكأنها مساحة كوكب الأرض، وهو يتلقى مطرا غزيرا و”مضياءً”، ما هو إلا مطر نيساني نزق تتعالى من تحت زخاته أصوات العصافير المُنشدة، أناشيد مُجسدة بألوان الأحجار وظلالها الملونة.

وقدم الفنان محمد العامري خلال مسيرته الفنية حتى الآن أكثر من ثلاثين معرضا فرديا في مجموعة من البلدان العربية والأجنبية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر