الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

مائدة الطعام يمكنها أن تحكي سيرة وطن

  • عوالم الشرق تظل ساحرة متشابكة في أدق تفاصيلها وتغري بالكتابة عنها شعرا أو سردا، وقد ذاع صيت كتابها عالميا سواء أتعلق الأمر بالشعر -ومن منا لم يؤثر فيه شعر الهايكو- أم بالرواية أم بالقصص، التي لا تحصر في مويان أو ياسوناري كاواباتا. عوالم الشرق وتحديدا الصين كانت محور رواية الصيني لو وين فو “الذواقة” التي فازت من خلالها المترجمة الشابة يارا المصري بجائزة أخبار الأدب المصرية في فرع الترجمة.

العرب ممدوح فرّاج النّابي [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(17)]

الثورة الصينية لها وجوه أخرى

في رواية الكاتب الصيني لو وين فو «الذوَّاقة»، التي ترجمتها يارا المصري، نجد أنفسنا أمام نص يقدِّم آليات التغيير التي سعت إليها الطبقة الجديدة من البرجوازيين الذين تبنوا الأفكار الشيوعية، وسعوا إلى هدم الرأسمالية، كما يضع الكاتب الثورة الثقافية في ميزان مواجهة الذات، عبر شخصيتيْن نقيضتيْن، الأولى حملت لواء النضال والتغيير والثانية أغلقت الأبواب أمام الإصلاح. وعبر علاقة جدلية بين الشخصيتين يكشف لنا الكاتب وقائع الثورة الثقافية، والعقبات التي واجهت التغيير، والفساد الذي تغلغل في الحزب الشيوعي، علاوة على الكوارث التي كادت تَقْضي على الإنجازات مثل نشوب المجاعة الصينية الكُبرى. كما يحكي عن الهجمات ضدّ البرجوازيين اليمينيين التي امتدت من عام 1957 إلى عام 1959 وأيضًا أحداث الحرب الأهلية في الصين، بين كل من الحزب الشيوعي الصّيني وحزب الكومنيتانغ.

السياسة والطعام

نُشرت رواية “الذوّاقة” أوّل مرّة عام 1983، في العدد الأوّل من مجلة الحصاد، وتعدُّ هذه الرواية أهم عمل للكاتب الصيني، وبعدها افتتح لو وين فو مطعم “ذواقة سوجو القديمة” ليقدِّم في مطعمه مأكولات سوجو التقليدية، وسيلة لتحقيق فكرته المثالية عن الطعام الجيد، كما تقول المترجمة في مقدمتها.

الرواية لوحة سردية باذخة عن الطعام وفنونه وأيضا هي تمثيل سردي لأحداث جرت في الصين على مدار أربعين عاما

تدور أحداث رواية “الذوّاقة”، الصادرة عن سلسلة الجوائز بالهيئة المصرية العامة للكتاب، في مدينة سوجو الواقعة جنوب الصين، التي انتقل إليها المؤلف عام 1945، حيث قضى لدى أقربائه فترة خصصها للاستجمام واستكمال دراسته الثانوية. ومِن ثمّ تعد الرواية في أحد أوجهها سيرة ذاتية للمؤلف الذي يشير بصراحة إلى أن بطله “قاو شياو هو أنا”، ورغم تردُّد العناصر السّيرية، فإنّ الكاتب جعل الرواية تتجاوز سيرة الفرد إلى سيرة الوطن، فيرصد عبر جدلية الشخصيتيْن الرئيستيْن، التحولات التي شهدتها الصين عقب أحداث الثورة الشيوعية، وصولاً إلى بدايات عصر الإصلاح والانفتاح.

المؤلف المنتمي إلى هذه الثورة لا يقدِّم صورة واحدة تدين الرأسمالية التي ثارت عليها الشيوعية، بل تشمل انتقاداته أيضًا الثّوْرة الثقافيّة وانحرافاتها التي أثَّرت بالسَّلب على مَن رفع شعاراتها، وهو ما اضّطره إلى رفع لافتة لطلب العفو والسماح، وإحساسه بالمهانة والإذلال. وللثورة سلبياتها كما يقول، فأثناء الثورة شاع شعار “مَن يُطحْ بالوزير يصرْ وزيرًا، ومَن يطح بالمدير يصر مديرًا” كما انتشرت مجموعة الهراوات في الأحياء، وهي من أتباع النظام الذين كانوا يتدخلون في حياة الأشخاص، ورغم ذلك كانت الثورة بالنسبة إليه تحمل معنى التحرّر.

يعكس لو وين فو كذلك آثار الثورة على من قامت ضدهم، فشخصية تشيو زي تشي التي كانت رافضة ومقاومة للتغيير وأغلقت الباب في وجه الإصلاح، استجابت لهذا التغيير الذي حلَّ على عكس العُمّال الذين قامتْ من أجلهم الثورة، فتشيو ظهر عليه التغيير في نهاية الرواية، إذ بعدما كان عاطلاً عن العمل، لا مهمّة له في الحياة سوى الشغف بالطعام والتنقُّل بين المطاعم والمقاهي، والبحث عن الطعام الجيد، صار خبيرًا و”ذوّاقة” يُلقي المحاضرات عن الطعام، ويؤلِّف الكتب. هذا التحوّل يعكس الأثر الإيجابي للثورة الثقافية، فرغم شدة مقاومته للتغيير ورفضه الإصلاح استجاب في النهاية وحدث التغيير، وصار فاعلاً ومؤثرًا، والشيء نفسه حدث مع آه را الذي كان يقود العربة الركشا مُتنقِّلاً بالرأسماليّ تشيو زي شي، فقد عمل في حفر المجاري وصار له راتب شهري.

يقف الراوي وقفات مسهبة وصفية عند حالات سأم الناس من الإصلاح وتعجّل إدراكه عبر مظاهر الاعتراضات التي بدأ الناس يوجهونها للتغييرات التي حدثت في المطعم، والعجيب أن الاعتراضات جاءت ممن اهتمت بهم ولأجلهم الثورة والإصلاح.

الثّوْرة الثقافيّة وانحرافاتها

سردية الطعام

تبدأ الرواية أحداثها بفصل تأسيسي عن الطعام بعنوان “مقدمة مختصرة عن الطعام والشراب”، يُقدِّم فيه الراوي العليم سيرة بطليْه: الأول هو تشيو زي تشي، وهو أحد الرأسماليين، إلا أنه نجا من أن يكون مِن أعداء الثورة، بل لم يتعرّض لمصادراتها بعد حملة حركة المكافحات الثلاث، وحملة المفاسد الخمس، فهو لا يتعاطى الأفيون ولا يلعب القمار ولا تثيره المومسات، ومن ثم نجا من حملات التطهير. فلا شيء يثيره سوى الطعام. وأوّل اعتراض له على الثورة عندما تعارضت مع شغفه، فما إن حدث التغيير في المطعم وفقد الطعام لذته حتى ثار مُسجِّلاً اعتراضه.

أما الشخصية الثانية فهي شخصية قاو شياو تينغ الذي هو على النقيض تمامًا من شخصية تشيو زي شي، بما يحمله مِن معارضة شديدة لهذه الرأسمالية وانتقاده لبذخها الشديد، وأيضًا بانتمائه إلى الثورة، بل صار إحدى أدواتها والمحافظ على مبادئها عندما عُهد إليه الأمر في محافظة سوجو التي كان يقطنها الاثنان. لا يكتفي الراوي بما يورده من عناصر التناقض بين الشخصتيْن بل يَسرد سردًا استباقيًّا للتغيرات التي حدثت لهما، فيتساءل في استنكار: “أيمكن للشخص الذي يحبُّ الأكل أنْ يصير خبيرًا! هذا ما لم أكن أتوقعه بالمرة؟”، ثم يُسْهِبُ في وصف شخصية البطل الرأسمالي، ويصفه بأنّه استثنائي، فهو رأسمالي وصاحب عقارات، ويستغل الآخرين الذين لا يمتلكون أي مهارة، وهنا يُقدِّم السَّارد الذي يتوازى مع شخصية البطل قاو شياو نقدًا لاذعًا للرأسمالية، في صورة سخريته من تشيو زي، بسبب ملابسه وافتقاره إلى اللياقة.

تتجاوز انتقادات الراوي للبرجوازية عبر صورة غريمه تشيو زي تشي إلى تمرير صور أكثر بشاعة لمساوئ البرجوازية في عدم عدالتها حيث يصف الراوي قائد المعسكر قائلاً إنّ “سجائره الغالية مغمورة بدماء الشعب وعرقه” وتارة أخرى ينقل صورة لمرأة تأكل من القمامة في مقابل المطعم الفاخر حيث “تتقارع الكؤوس وتتقاطع الصحون، وتتابع الأطعمة اللذيذة”، أو الصُّور المهينة للناس الذين يقفون أمام دكان الأرز، وعلى ظهورهم خُطَّ رقم بالطباشير ينتظرون التزود بحصصهم من الأرز.

لا يفصل الراوي التحولات التي شهدتها الصين في صورة ما يحدث في سوجو، عن التأريخ للمكان، فيسرد البعض من تاريخ سوجو ويصف مناظرها الجميلة الخلّابة، كما يدبج الرواية بنصوص من أغاني فلكلورية، وأبيات شعرية لشعراء صينيين ويتناص مع شخصيات وأبطال روايات لكتاب سابقين، في إشارة إلى ثراء التراث الإبداعي. الرواية لوحة سردية باذخة عن الطعام وفنونه في سوجو، وأيضًا بمثابة تمثيل سردي للأحداث التي جرت في الصين على مدار أربعين عامًا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر