الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

قريبا من مصر الشاعرة

الكاتب فاروق يوسف يذهب في في مقال له بعنوان «مصر ليست شاعرة» إلى أن هذا البلد اليتيم الذي حرمه الله من موهبة الشعر قد عوضه بمواهب أخرى منها «صناعة» السينما.

العرب سعد القرش [نُشر في 2017/03/18، العدد: 10575، ص(17)]

دعوة إلى إعادة بناء الخريطة القديمة للتاريخ

لم يجتمع الشعب المصري يوما ولم يعمد ممثلوه في السياسة والاقتصاد

والجيش والثقافة والفنون للإعلان عن الشروع في اصطناع «مركزية مصرية» يباهون بها العالم العربي أو يسعون إلى أيّ ابتزاز لأيّ أحد.

وإذا كانت المركزية الأوروبية قد نشأت في ظرف تاريخي استعماري فإن طبيعة ما يوصف بالمركزية المصرية جاء محصلة لطبيعة الدور وجاذبية المركز من دون إكراهات مع إيمان بدعوة بيتر جران في مقدمة كتابه «ما بعد المركزية الأوروبية» إلى إعادة بناء الخريطة القديمة للتاريخ؛ إذ «التاريخ يوجد حيثما يوجد الناس».

بعض الوعي بهذه الأمور عاصم من القواصم، وقد تكفلت خمس مقالات بمناقشة مقال غريب الأطوار لا يشغلني الرد عليه؛ لكن سلامة النقاش تحتم علينا استيعاب طبيعة تطور الشعر في مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر لتيارات ومدارس وأفكار انصهرت فيها العامية والفصحى، والعرب والمصريون وبعض اليونانيين أيضا، فلا نعرف أن علي أحمد باكثير يمني إلا من لقبه اليمني، وكذلك محمود بيرم «التونسي»، ولا تحول الشوفينية دون منح خليل مطران لقب «شاعر القطرين» وأن يصير محمد الخضر حسين «التونسي» شيخا للأزهر.

لا يجرؤ فريق بحثي يخصّص بضع سنوات لدراسة تراث الشعر المصري على طرح هذا السؤال/الإجابة «لماذا يفشل المصريون دائما في كتابة الشعر»، ولكن أثير عادل شواي فعلها ونشرت مجلة «الجديد» في فبراير 2017 حكمه الذي لا يسيء إلا إليه، ولولا هذه الردود الغاضبة في مجملها لتوقعنا أن يمسّ الانتقاص حركة الإبداع في الجزائر في مقال قادم ويهال التراب على أعمال أدبية إنسانية لمالك حداد ومحمد ديب وكاتب ياسين الذي اعتبر الفرنسية غنيمة حرب، ولم يكتب الرواد إلا بها. ولم يكن لمصر أن تكتب شعرا تزامنا مع ازدهار الشعر العربي في دمشق وبغداد، ومن المهم في هذا السياق قراءة تفسير ليوبولد فايس (محمد أسد) في كتابه «الطريق إلى مكة»، لقبول بلاد فارس للدين الإسلامي ورفضهم للغة العربية.

وتحت عنوان «المصريون والشعر: نقاش عربي في الشعر والجغرافيا والحداثة» نشرت صحيفة «العرب» يوم الأحد 5 مارس 2017 نقاشات وردودا على هذا الحكم الإطلاقي بأقلام خمسة أستاذة: خلدون الشمعة وأحمد برقاوي ومفيد نجم وشريف رزق وفاروق يوسف.

نحتمل قسوة المحبين لأنهم محبون، ولا يمنع الأمر من جلد الذات إذا كانت تستحق الجلد، ويسهل الاعتراف بما وصلت إليه الثقافة المصرية منذ أربعين عاما. وأود التوقف أمام ما كتبه الأستاذ فاروق يوسف وتعجبني رؤيته البانورامية العميقة إذا كتب في الشأنين العراقي والسوري وإذا كتب في الفنون وخصوصا التشكيلية، ولعله من القلائل الذين رفضوا الزعم بتأثر صلاح عبدالصبور ببدر شاكر السياب.

ومن يردد هذا الكلام يجهل الاثنين معا ويجهل أيضا ريادة التجديد قبلهما، فقصيدة التفعيلة كتبها محمد فريد أبوحديد وباكثير، وقصيدة النثر كتبها حسين عفيف ولكن مصر لا تجيد التنظير وفاتها اختراع المصطلحين.

في دفاعه عن ضعف الشعر المصري الذي «لا يرقى إلى مستوى الشعر العربي في قديمه وجديده» يذهب فاروق يوسف في مقاله «مصر ليست شاعرة.. ما العيب في ذلك؟» إلى أن هذا البلد اليتيم الذي حرمه الله من موهبة الشعر قد عوضه بمواهب أخرى منها «صناعة» السينما. المقارنة ظالمة، لن أقول غير بريئة، لأنها ليست مطروحة فليست «الجَرْدة» موضع نقاش لكي نقدم بيانا ختاميا برصيد مصر من الإبداع الثقافي والفني ونطيّب خاطرها بما يشبه الشفقة على اليتيم العاجز، وإنما الأمر يخص الشعر ويسهل القول إن السياب وأدونيس ونازك الملائكة لم يتركوا بصمة في الشعر المصري، على عكس سعدي يوسف وإلى حدّ ما محمد الماغوط اللذين أغريا جيلا من الشعراء، أما نزار قباني فله شأن آخر.

ذات مرة اعترف محمود درويش بتأثره مبكرا بنزار، ولكن ظلّ نزار لازم فاروق جويدة فكتب تقليدا باهتا يستغني عنه القارئ بالأصل وإن غادره الضوء فلم يبق من نزار إلا بضع مقولات في السياسة والحب اكتسبت جمالا عابرا للأجيال بفضل موسيقى محمد عبدالوهاب وصوت نجاة ولا نستسيغها بصوت كاظم الساهر.

ولكن فاروق يوسف، بنظرة أخشى أن تكون استشراقية، يرى أن الفاروقين شوشة وجويدة ظلا «شاعرين مؤثرين وأساسيين حتى الألفية الثالثة». وقد ظننت هذا خطأ طباعيا أو سهوا لولا أنه كرر الاسمين ليتأكد لي عدم إحاطته بالمشهد الشعري الذي لا يمثله الفاروقان، ولم يكن أيّ منهما في أيّ وقت مؤثرا أو أساسيا، وقد توفّي أحدهما ولم يترك شاعرا يدّعي الانتساب إليه أو التأثر به. وبقي الآخر حيا لا يرزقه الله ناقدا يعترف به رغم المكانة الوظيفية وبريق المسرح وشيوع بعض الأغاني، أما القراء فلا يكلّفون أنفسهم قراءة ما استغنى عنه آباؤهم من نسخ مقلدة لا يحتملها الشعر.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر