الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

أمراض‭ ‬اليسار: العودة إلى حظيرة الطوباوية

ليس‭ ‬أمام‭ ‬اليسار‭ ‬كي‭ ‬يضمن‭ ‬نجاته‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬ابتكار‭ ‬مفهومه‭ ‬ووسائله‭ ‬وغاياته،‭ ‬ولمَ‭ ‬لا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬كما‭ ‬ينصح‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/03/19، العدد: 10576، ص(11)]

لوحة: صدام الجميلي

مرّ‭ ‬اليسار‭ ‬حيثما‭ ‬كان‭ ‬بأزمة‭ ‬ما‭ ‬انفكت‭ ‬تستفحل‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬الأعوام،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬داء‭ ‬ينهش‭ ‬كيانه‭ ‬ويهدد‭ ‬بتقويضه،‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المحللين،‭ ‬ليست‭ ‬انتخابية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيديولوجية‭ ‬وثقافية‭ ‬وفلسفية‭ ‬أيضا،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غدت‭ ‬مبحثا‭ ‬ينكبّ‭ ‬على‭ ‬دراسته‭ ‬المفكرون‭ ‬وتتناوله‭ ‬المجلات‭ ‬الفكرية‭ ‬بالنظر‭ ‬والتأمل‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬مجلة‭ ‬“فلسفة”‭ ‬الفرنسية،‭ ‬التي‭ ‬خصصت‭ ‬في‭ ‬عددها‭ ‬الأخير‭ ‬‭(‬فبراير‭ ‬2017‭)‬‭ ‬ملفّا‭ ‬دعت‭ ‬إليه‭ ‬أهل‭ ‬الذكر‭ ‬لتطارح‭ ‬أسباب‭ ‬تراجع‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬أوروبا‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬أميركا،‭ ‬والإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭: ‬“ممّ‭ ‬يعاني‭ ‬اليسار؟”‭ ‬وإن‭ ‬شئنا‭ ‬الدقة‭ ‬“أي‭ ‬مرض‭ ‬أصاب‭ ‬اليسار؟”‭.‬

‬يذهب بعض‭ ‬المساهمين‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬اليسار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بمفاصل‭ ‬المجتمع،‭ ‬والتأثير‭ ‬على‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬أوجدتها‭ ‬العولمة‭ ‬النيوليبرالية‭.

هذا‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬مثّل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬الفعل‭ ‬والحركة‭ ‬مقابل‭ ‬محافظة‭ ‬الليبراليين‭ ‬وفلسفتهم‭ ‬القائلة‭ ‬بـ”دعه‭ ‬يعمل”،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬متهَمًا‭ ‬بالتواطُؤِ‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬يتفجر‭ ‬فيه‭ ‬التفاوت،‭ ‬ويتعطل‭ ‬الاندماج،‭ ‬وتُكرِّس‭ ‬الأنظمة‭ ‬التعليمية‭ ‬إعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كما‭ ‬فسّرها‭ ‬بورديو،‭ ‬وتدمّر‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الكون‭ ‬بأسره‭.‬

والسّؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أوهى‭ ‬اليسار‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬الهوان،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬الفعل‭ ‬في‭ ‬العالم؟‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬احتوائه‭ ‬غضبَ‭ ‬جماهير‭ ‬ضاقت‭ ‬ذرعا‭ ‬بمساوي‭ ‬العولمة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الأصقاع‭ ‬ليقترح‭ ‬الحلول‭ ‬المناسبة،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬سيريزا‭ ‬اليونانية،‭ ‬ولا‭ ‬بوديموس‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬لم‭ ‬تبديا‭ ‬غير‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬الفساد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقدما‭ ‬بديلا‭ ‬جادا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬حقيقي‭ ‬لمتطلبات‭ ‬المرحلة‭ ‬المعولمة،‭ ‬دون‭ ‬التنكر‭ ‬لقيم‭ ‬اليسار‭.‬

بعض‭ ‬المفكرين،‭ ‬مثل‭ ‬جان‭ ‬كلود‭ ‬ميشيا،‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬تخلّي‭ ‬اليسار‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬العالم،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تحالفه‭ ‬مع‭ ‬الليبرالية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أولوية‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬ويعملون‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تزداد‭ ‬تهميشا‭ ‬وهشاشة‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ .‬فيما‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬التقدميين‭ ‬الليبراليين،‭ ‬مثل‭ ‬نيكولا‭ ‬بوزو،‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬مرده‭ ‬إلى‭ ‬تشبث‭ ‬اليسار‭ ‬بمقاربة‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن،‭ ‬مقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬اشتراكية‭ ‬الدولة‭ ‬ودولة‭ ‬العناية‭ ‬والرفاه‭ .‬والثّابت‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬الرأيين‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬أعراض‭ ‬الأدواء‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬اليسار،‭ ‬فهي،‭ ‬وإن‭ ‬تعددت‭ ‬صيغها،‭ ‬لا‭ ‬تنأى‭ ‬عن‭ ‬الخيانة‭ ‬والتآكل،‭ ‬تحوم‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬بين‭ ‬التنكّر‭ ‬للأصول،‭ ‬وبين‭ ‬“برمجية”‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬تستجيب‭ ‬للمستجدات‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬العولمة،‭ ‬والتطورات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭.‬

هذا‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬مثل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬الفعل‭ ‬والحركة‭ ‬مقابل‭ ‬محافظة‭ ‬الليبراليين‭ ‬وفلسفتهم‭ ‬القائلة‭ ‬بـ{دعه‭ ‬يعمل}،‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬متهما‭ ‬بالتواطؤ مع‭ ‬عالم‭ ‬يتفجر‭ ‬فيه‭ ‬التفاوت،‭ ‬ويتعطل‭ ‬الاندماج

الخلاف‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬اليسار‭ ‬ذاته،‭ ‬فبعضهم‭ ‬يعتبر‭ ‬نفسه‭ ‬اشتراكيا‭ ‬فقط‭ ‬مثل‭ ‬الفيلسوف‭ ‬مارسيل‭ ‬غوشيه‭ ‬الذي‭ ‬يميّز‭ ‬بين‭ ‬الاشتراكية‭ ‬كمفهوم‭ ‬يتضمن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بوصفها‭ ‬مكسبا‭ ‬سياسيا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬ونموذجا‭ ‬ينبغي‭ ‬إعمال‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬باستمرار،‭ ‬وبين‭ ‬اليسار‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬عائلات‭ ‬سياسية‭ ‬متفرقة،‭ ‬لا‭ ‬يستثنى‭ ‬منها‭ ‬جناحه‭ ‬اللينيني‭.‬

‎فيما‭ ‬يرى‭ ‬بعضهم‭ ‬الآخر،‭ ‬مثل‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬إريك‭ ‬فاسّان،‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬لا‭ ‬يني‭ ‬يجدد‭ ‬معناه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المعارك‭ ‬السياسية،‭ ‬فهو‭ ‬ممارسة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نظرية،‭ ‬وصراع‭ ‬أقليات‭ ‬ضدّ‭ ‬الميز‭ ‬العنصري‭ ‬والجنسي‭ .‬فاليسار‭ ‬الجمهوري‭ ‬يتهم‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬بخيانة‭ ‬العلمانية‭ ‬والاندماج،‭ ‬عبر‭ ‬مقايضة‭ ‬أصوات‭ ‬الأقليات‭ ‬الإثنية‭ ‬والجنسية‭ ‬بالأصوات‭ ‬الشعبية‭ .‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عناه‭ ‬مجمع‭ ‬أبحاث‭ ‬“تيرّا‭ ‬نوفا”‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬له‭ ‬عام‭ ‬2012‭ ‬بعنوان‭ ‬“اليسار،‭ ‬أيّ‭ ‬أغلبية‭ ‬انتخابية؟”‭ ‬جاء‭ ‬فيه‭ ‬“إن‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬ليست‭ ‬

في‭ ‬قلب‭ ‬التصويت‭ ‬لليسار،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬مجمل‭ ‬قيمه،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المحركَ‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشكّل‭ ‬أغلبية‭ ‬اليسار‭ ‬الانتخابية‭ .‬أما‭ ‬اليسار‭ ‬الليبرالي‭ ‬فهو‭ ‬يتهم‭ ‬يسارَ‭ ‬اليسارِ‭ ‬بعجزه‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجديد‭ ‬والتأقلم‭ ‬معه‭ .‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬النزاع،‭ ‬تبرز‭ ‬نقطتا‭ ‬خلاف‭ ‬فارقتان‭: ‬أولاهما،‭ ‬خلاف‭ ‬اقتصادي‭ ‬يضع‭ ‬وجها‭ ‬لوجه‭ ‬أنصار‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ليبرالي‭ ‬جديد‭ ‬والمدافعين‭ ‬عن‭ ‬سياسة‭ ‬حمائية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ .‬وثانيتهما،‭ ‬خلاف‭ ‬أيديولوجي‭ ‬وثقافي‭ ‬يضع‭ ‬الجمهوريين،‭ ‬المتمسكين‭ ‬بالعلمانية،‭

‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اليسار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬متعدد‭ ‬الثقافات،‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬توافقات‭ ‬معقولة،‭ ‬مع‭ ‬الإسلام‭ ‬بخاصة”‭.‬

‎ولئن‭ ‬بدا‭ ‬الأمر‭ ‬ملتبسا‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬العارف‭ ‬بخبايا‭ ‬الصراع‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬التيارات‭ ‬المتفرعة‭ ‬عن‭ ‬اليسار،‭ ‬فذلك‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬يرفع‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الآخر‭ ‬قيما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬أيديولوجيته‭.‬‮ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬هيكلت‭ ‬“برمجية”‭ ‬اليسار‭ ‬منذ‭ ‬قرنين‭ ‬ويمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬في‭ ‬خمس‭ ‬نقاط‭: ‬فكرة‭ ‬“التقدم‭ ‬الاجتماعي”‭ ‬كتصور‭ ‬للمستقبل‭ ‬يسمح‭ ‬بالتدخل‭ ‬في‭ ‬الحاضر؛‭ ‬فكرة‭ ‬“المشترك”‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬التوزيع‭ ‬داخل‭ ‬“مجموعة‭ ‬مشتركة”‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمثلنا؛‭ ‬فكرة‭ ‬“المساواة”،‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬الجميع‭ ‬كحقّ‭ ‬ووعد‭ ‬اجتماعي،‭ ‬وتتولى‭ ‬أمرها‭ ‬التربية؛‭ ‬فكرة‭ ‬“طوباوية‭ ‬عالم‭ ‬آخر”،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لعلاقات‭ ‬الهيمنة‭ ‬والاستغلال؛‭ ‬وأخيرا،‭ ‬فكرة‭ ‬“شعب‭ ‬يسار”‭ ‬تكون‭ ‬الأخوّة‭ ‬القادمة‭ ‬موجودة‭ ‬فيه‭ ‬سلفا‭ .‬بيد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬وضعتها‭ ‬موضعَ‭ ‬شكٍّ‭ ‬وإعادةَ‭ ‬نظر‭ ‬ليبراليةٌ‭ ‬جديدةٌ‭ ‬يهيمن‭ ‬فيها‭ ‬وعي‭ ‬تاريخي‭ ‬مركَّز‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬كارثي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رؤية‭ ‬مجتمعية‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬الفردانية‭ ‬والتنافس‭ ‬والسوق،‭ ‬والقبول‭ ‬الضمني‭ ‬بالتفاوت‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وانفتاح‭ ‬الشعوب‭ ‬والأمم‭ ‬على‭ ‬الشبكة‭ ‬العالمية‭.‬

وليس‭ ‬أمام‭ ‬اليسار‭ ‬كي‭ ‬يضمن‭ ‬نجاته‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬ابتكار‭ ‬مفهومه‭ ‬ووسائله‭ ‬وغاياته،‭ ‬ولمَ‭ ‬لا‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬كما‭ ‬ينصح‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين،‭ ‬والمعروف‭ ‬أن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬بيير‭ ‬لورو‭ ‬‭(‬1797‭-‬1871‭)‬،‭ ‬تردد‭ ‬قبل‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬“الاشتراكية”‭ ‬إذ‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬خطرا في‭ ‬البداية،‭ ‬لكونه‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬وضاعة‭ ‬وعبثية‭ ‬عن‭ ‬الفردانية،‭ ‬ثم‭ ‬اقتنع‭ ‬بأنه‭ ‬يحتمل‭ ‬الأمل،‭ ‬فكتب‭ ‬يقول‭ ‬عام‭ ‬1845‭ ‬“نحن‭ ‬اشتراكيون،‭ ‬إذا‭ ‬قصدنا‭ ‬بالاشتراكية‭ ‬المذهب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضحّي‭ ‬بأيّ‭ ‬لفظة‭ ‬من‭ ‬الصيغة‭ ‬‘حرية،‭ ‬أخوة،‭ ‬مساواة،‭ ‬وحدة’‭ ‬بل‭ ‬يوفق‭ ‬بينها‭ ‬جميعا”‭ .‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدال‭ ‬“يسار”‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬منطلقه‭ ‬يتيح‭ ‬أن‭ ‬يجمعَ‭ ‬تحت‭ ‬رايةٍ‭ ‬واحدة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعتنقون‭ ‬بكيفية‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬أفكار‭ ‬ثورة‭ ‬1789‭ ‬ويعمدون‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬مقاومة‭ ‬الجهود‭ ‬الدائمة‭ ‬للكنيسة‭ ‬والنبالة‭ ‬لإعادة‭ ‬قيم‭ ‬مؤسسات‭ ‬العهد‭ ‬القديم،‭ ‬كليا‭ ‬أو‭ ‬جزئيا‭ .‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يقول‭ ‬ميشيا،‭ ‬يستمد‭ ‬صراع‭ ‬اليسار‭ ‬الليبرالي‭ ‬والجمهوري‭ ‬ضدّ‭ ‬اليمين‭ ‬والرجعية‭ ‬جذوره‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬فكر‭ ‬الأنوار‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬قناعته‭ ‬الساذجة‭ ‬بأن‭ ‬التقدم‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العقل‭ ‬والحرية‭ ‬سوف‭ ‬يقضي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬معالم‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ .‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المانوية‭ ‬التبسيطية‭ ‬تتناسى‭ ‬أن‭ ‬نمط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الرأسمالي‭ ‬‭-‬كما‭ ‬سيتخذ‭ ‬انطلاقه‭ ‬الحاسم‭ ‬خلال‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬الأولى‭-‬‭ ‬استوحى‭ ‬فلسفته‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬الأنوار‭ ‬السياسي،‭ ‬كآدم‭ ‬سميث‭ ‬وتورغو‭ ‬وفولتير‭.‬

‎إذا‭ ‬استحضرنا‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬ثورة‭ ‬العمال‭ ‬الاشتراكيين‭ ‬الأوائل‭ ‬ضد‭ ‬ذلك‭ ‬النظام‭ ‬الصناعي،‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬إلا‭ ‬دوريا‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬دعوات‭ ‬اليسار‭ ‬“التقدمي”‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬مقاومة‭ ‬قوى‭ ‬“الظلامية”‭ ‬و”الرجعية”‭ ‬وحدها‭.‬

تخطيط: ساي سرحان

‎لكأن‭ ‬اليسار‭ ‬عاد‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬البداية‭ ‬عام‭ ‬1845،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬حضيرة‭ ‬طوباوية‭ ‬يلتقي‭ ‬بداخلها‭ ‬ليبراليون‭ ‬وإنسانيون‭ ‬كانوا‭ ‬يريدون‭ ‬إلغاء‭ ‬كل‭ ‬تمييز‭ ‬طبقي،‭ ‬وتضامنيون‭ ‬يتواصون‭ ‬بالتعاون،‭ ‬ومنظِّمون‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬عمّالي‭.‬

‎وكانت‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬كما‭ ‬بيّن‭ ‬الفيلسوف‭ ‬إيلي‭ ‬هاليفي‭ ‬‭(‬1870‭-‬1937‭)‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬“تاريخ‭ ‬الاشتراكية‭ ‬الأوروبية”،‭ ‬تغطي‭ ‬اتجاهين‭ ‬مختلفين‭: ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬الطوباويون‭ ‬الذين‭ ‬يتوقون‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬جديد،‭ ‬ولكنهم‭ ‬يرتابون‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬السلط،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬وكانوا‭ ‬يرون‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬عالم‭ ‬اقتصادي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬جديد من‭ ‬خلال‭ ‬رواج‭ ‬الجمعيات‭ ‬التعاونية‭ ‬ودون‭ ‬مساعدة‭ ‬الدولة‭ .‬وأما‭ ‬الساعون‭ ‬لإيجاد‭ ‬جواب‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬فكانوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬بالإمكان‭ ‬تعويض‭ ‬مبادرة‭ ‬الأفراد‭ ‬الحرة‭ ‬بعمل‭ ‬المجموعة‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬تدبّره‭ ‬داخل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الثروة‭.‬

‎وفي‭ ‬اعتقاد‭ ‬مارسيل‭ ‬غوشيه‭ ‬أن‭ ‬علة‭ ‬اليسار‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تفتت‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ .‬فمنذ‭ ‬تشكل‭ ‬الأحزاب‭ ‬العمالية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كانت‭ ‬الاشتراكية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬اقتصادي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬النظم‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وإيلاء‭ ‬الدولة‭ ‬دورا‭ ‬مركزيا،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬فاعل‭ ‬تاريخي‭ ‬مميز‭ ‬هو‭ ‬البروليتاريا،‭ ‬رأس‭ ‬حربة‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭ .‬وكان‭ ‬اليسار‭ ‬حينئذ‭ ‬يَعِد‭ ‬بتجاوز‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬القائم‭ ‬تجاوزا‭ ‬يُدرِجه‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التاريخ‭ .‬وصحيح‭ ‬أن‭ ‬انشقاقا‭ ‬كان‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬الإصلاحيين‭ ‬والثوريين،‭ ‬ولكنّ‭ ‬الخلاف‭ ‬كان‭ ‬حول‭ ‬الوسائل‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتغيير‭ ‬المجتمع،‭ ‬أما‭ ‬الغاية‭ ‬فكانت‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬واحدة‭.‬

‎كل‭ ‬ذلك‭ ‬البنيان‭ ‬تهاوى‭ ‬قطعة‭ ‬قطعة،‭ ‬وشهدت‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬ظاهرة‭ ‬إزالة‭ ‬البروليتاريا‭ ‬عبر‭ ‬تعميم‭ ‬الإجارة‭ ‬‭(‬منظومة‭ ‬الأجراء‭)‬‭ .‬وبذلك‭ ‬صار‭ ‬شيوع‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تأميم،‭ ‬مثيرا‭ ‬للاشمئزاز،‭ ‬وبات‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬مذموما‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنقاذ‭ ‬البنوك‭ .‬وعدلت‭ ‬قوى‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬عن‭ ‬وضع‭ ‬التغيير‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬مشروعها‭.‬

‎وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة،‭ ‬فقد‭ ‬فقدت‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تأوّل‭ ‬وقيادة‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع‭ ‬نحو‭ ‬حال‭ ‬أكثر‭ ‬اكتمالا‭ ‬وعدلا‭ .‬وفي‭ ‬رأي‭ ‬غوشيه‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬يصيب‭ ‬اليسار‭ ‬الحاكم‭ ‬واليسار‭ ‬الراديكالي‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬فالأول‭ ‬حصر‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬تسويات‭ ‬وتعديلات‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬والثاني‭ ‬اكتفى‭ ‬بإدانة‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬إدانة‭ ‬لا‭ ‬تقدّم‭ ‬ولا‭ ‬تؤخر‭.‬

ينشر الملف بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

كاتب من تونس مقيم بباريس

أبو بكر العيادي

:: مقالات أخرى لـ أبو بكر العيادي

أبو بكر العيادي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر