الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

نحات فرنسي يستعمل الكمبيوتر بدل الإزميل والفرشاة

  • بعد قرن على الفضيحة التي أحدثها مارسيل دوشامب بعرضه محمل زجاجة كان اشتراه من متجر "بي هاتش في" قرب بلدية باريس، كما هو، فاتحا المجال لما اصطلح عليه بالـ”ريدي ميد”، أقام متحف بومبيدو معرضا يجمع بين الفن والعلم والتكنولوجيا للفرنسي جان لوك مولين الذي يعتبر الحدث في حد ذاته عملا فنيا، جديرا بالتوقف والمساءلة.

العرب أبو بكر العيادي [نُشر في 2017/03/20، العدد: 10577، ص(16)]

التقاء الفن والعلم والتكنولوجيا

بدأ جان لوك مولين حياته، بعد التخرج من مدرسة الفنون الجميلة بفرساي، مستشارا فنيا في شركة تومسون، ثم اشتغل بالتدريس في المعهد الوطني للاتصال والفن والديزاين بنانسي، ثم بالمعهد الأعلى للفن والديزاين بأميان، وأخيرا بمعهد الفنون الجميلة بغرونوبل، وكان في تلك الأثناء يحفر مجراه بإقامة معارض شخصية للصور الشمسية منذ مطلع الثمانينات، قبل أن يساهم في إثراء معارض مشتركة بنوع من الفن جديد، استطاع بفضله أن يسجل حضورا لافتا لا في فرنسا وحدها، بل على نطاق واسع، حيث عرضت أعماله في بلدان عديدة كبلجيكا وألمانيا وبولندا واليونان وإسبانيا.

وفي عام 1999 هجر مولين التعليم نهائيا ليتفرغ لإبداعه الذي شمل الرسم والفن الزيتي والتصوير واللافتات والكتب الفنية والنحت، وينفتح منذ ذلك التاريخ على جهات أخرى من العالم كالشرق الأوسط والشرق الأقصى وأميركا اللاتينية.

وفي المعرض المقام حاليا بمتحف بومبيدو الباريسي يكتشف الزائر من خلال أعمال لم يسبق عرضها عالم هذا الفنان، الذي يتسم بالثراء والتعقيد، من حيث تجريديته وتجسيده، فمولين يسعى إلى خلق عالم موضوعي، عبر تنوع ممارسات وأشكال ومواضيع، واستكشاف عمليات كالقَطْع والتقاطع والجانبية والقص والمحاذاة، في علاقة بين جسد وآلة أو جماد، فهو يسائل الفضاء المشترك، والشكل الذي يتخذه ذلك الفضاء، بالاشتغال على التفاعل مع الفضاء الفردي، ويقوم ببحوث دقيقة للمواد التي يستعملها، ليجدد علاقته مع الديزاين في صيغتيه الصناعية والتجارية.

مولين يسائل الفضاء المشترك، والشكل الذي يتخذه ذلك الفضاء، بالاشتغال على التفاعل مع الفضاء الفردي

كيف يمكن المزج بين جسد امرأة وهيكل سيارة؟ كيف يمكن تهجين أشياء باستعمال الكمبيوتر؟ وكيف يمكن إبراز اختلال الخطوط أو التطورات في الديزاين؟ إنه مثل الخيميائي إذ يملأ الفراغات ويربط الخطوط.

وفي هذا المعرض يقف الزائر مذهولا أمام منحوتات ذات ثلاثة أبعاد أعدّها مولين بنفسه، تتبدى في فضاء بلا حواجز مثل مستودع طائرات مهمل، ذلك أن الأعمال المعروضة موضوعة على الأرضية، لأن الرفعة ليست من قاموس مولين، إذ يفضل الأشياء المقلوبة والعقد والمنحنيات على المنبسطات والمستقيمات، وهو ما جعل المعرض أقرب إلى صالون صنائع ومهن كما كان الشأن في عشرينات القرن الماضي بباريس وسواها، وإن كان يلبي ما حلمت الطليعة في ذلك الوقت من تمازج الفن بالعلم والمستحدثات الصناعية.

والمعروضات هنا سلسلة من المبتكرات يوحدها الفن والعلم والتكنولوجيا: صدر امرأة من بلاستيك بنفسجي وأبيض مشدود بمشدات اصطناعية، عظم أبيض مجوّف به مسحوق في لون المرمر، هيكل سيارة مستقبلية، زي عمل أزرق نيلي صنع بمناسبة احتفال “بازار بلدية المدينة” بمرور مئة وستين عاما على تأسيسه، ذلك أن مولين نحات غريب، فهو يستعمل الموديل كالحائك، والحبكة الإعلامية واللوغاريتم كالمهندس، والمواد الصناعية كالعامل أو الدّهّان أو البنّاء، ولكنه يجمع المواد التي بين يديه، كجمع شكل جبسي غير محدد وألمنيوم جناح إيرباص، بحس الفنان الباحث عن أسلوب صادم، وأعمال تتمرد على الأشكال المعهودة، ليقدم تصورا جديدا للنحت بخاصة والفن بعامة.

سبيل فني جديد

والفن لديه، كما يقول برنار بليستان مدير المتحف “يتعارض مع نمطية الأشكال، وجماد المواد، مولين يقطعها، يجمّعها، يرغمها ويثنيها، وينفخ فيها ويطرقها، ويهجنها ويزرعها في أجساد أخرى، لكأنه يكلف الأشياء فوق طاقتها، ويفرض عليها إرادته، لتنبعث بعد مهارات محددة فرضية، ظلت مجهولة حتى تلك اللحظة”.

في أعماله تعبير عن تأمل دائم لوضعية الفنان في المجتمع، ونقد راديكالي للتلاعب والوقوع تحت طائلة المغريات، إضافة إلى بحث شكلاني غالبا ما يمزجه بالسخرية والفكاهة، يتجلى ذلك في شتى منحوتاته التي يسكنها الهاجس نفسه، وهو ما عبرت عنه مفوضة المعرض صوفي دوبليكس “الحل الأمثل لهذا المعرض، ولأي معرض فني في تقديري، هو أن نأخذ القطع الفنية واحدة واحدة ونقرأ الأعمال الأخرى على ضوئها، أي أن نتخذ عملا فنيا واحدا كنمط قرائي نستكشف من خلاله لوحة أو منحوتة أخرى، إلى أن نأتي عليها كلها، بذلك يمكن أن نهتدي إلى الخيوط الخفية التي تصل الأعمال بعضها ببعض”.

ومع ذلك، قد تستبد بالزائر حيرة أيضا وهو يقف أمام أعمال مثل “جان 2016”، تلك المسلّة ذات الرغائب الاستعارية، والتي لا جسد لها ولا رأس، أو “سيارة وفتاة”، وهو عمل نصفه سيارة سباق والنصف الآخر مؤخرة امرأة، أو “دنكي” وهي جمجمة حمار ملئت بالإسمنت.

فهل أن ذلك سبيل فني جديد كما ذهب بعض النقاد، أم هو مجرد بحث عن شكل اتجاهي ومقترح متحوّل؟ الثابت أن جان لوك مولين واحد من بين فنانين كثيرين منتشرين في العالم لم توحدهم حركة بعد، يعتبرون النحت وثيق الصلة بالديزاين والصور اللوغاريتمية، ويستعملون الحاسوب بدل الإزميل والفرشاة، وما إلى ذلك من أدوات، لخلق عوالم قد تلبي أفق انتظار الباحث عن الجدة بأي ثمن.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر